Shahd
07-10-2005, 06:11 PM
نصوص متفرقة "لفريدريك نيتشه"
فريدريك نيتشه*
(*) "فريدريك نيتشه" (1844 - 1900) عبقري وانقلابي خطير، وثائر على القِيَم، ومبدع قِيَم.
هو فيلسوف وشاعر ألماني يفتر الحرف عنده عن عنفوان وعظمة واتقاد وعمق عجيبين. وهو مفكر شغل عصره حتى يومنا هذا.
أعظم مؤلفاته كتاب: "هكذا تكلم زرادشت" الذي تركناه هنا للعدد القادم، ورحنا نستظل بنصوص سبقته استقيناها من كتبه: "بشري، بشري جداً"(1878) و"فجر أو خواطر في الأوهام الخلقية"( 1881).
بشري ، بشري جداً
1) يستوي الفلاسفة جميعهم في هذا العيب: إنهم ينطلقون من الإنسان الراهن، ويتوهمون بلوغ الهدف، إذا ما قاموا بتحليله.
إنهم يتصورون "الإنسان". على نحو غامض وغير مقصود، حقيقة أبدية، واقعاً ثابتاً وسط الدوران العام، مقياس الأشياء الحقيقي.
ولكن أحكام الفيلسوف على الإنسان ليست في الحقيقة سوى رأي في إنسان مدى من الزمان، محدود جداً.
غياب الحس التاريخي لدى كل الفلاسفة هو خطيئتهم الأصلية. يظن كثيرٌ منهم، وهو لا يدري، أن آخر أشكال الإنسان، الذي تكون تحت تأثير أديان معينة، بل تحت تأثير أحداث سياسية، هو الشكل الذي ينبغي الانطلاق منه. إنهم يأبون أن يروا في الإنسان ثمرة صيرورة (...). والحال أن أهم ما في التطور البشري قد تم في غياهب الزمن، في زمن أقدم بكثير من هذه الأربعة آلاف سنة، التي نعرفها على وجه التقريب، وإن يكن من الثابت أن الإنسان ما تغير كثيراً أثناء هذه الآلاف الأربعة (...). وعليه نحن بحاجة، من الآن فصاعداً، إلى الفلسفة التاريخية، ومعها إلى فضيلة التواضع.
2) إن أنبل أنواع الجمال ليس ذاك الذي يفتن برمية واحدة، بهجوم صاعق مغر – فإن مثل هذا الجمال يثير بسهولة النفور -، بل هو جمال ينساب ببطء، نحمله وكأننا لا نشعر به، ويعاودنا يوماً في حلم، هو جمال يشغل، مدة طويلة مكاناً من قلبنا محدوداً، وينتهي بأن يتملكنا تملكاً تاماً، بأن يملأ عيوننا دموعاً، وقلبنا حنيناً.
3) عبد من لا يمتلك ثلثي يومه لنفسه، وإن يكن مع ذاك ما يشاء: رجل دولة، أو تاجراً، أو موظفاً، أو عالماً.
4) حسرة بعضهم من أنهم سلبوا زوجاتهم، وحسرة أكثرهم من أن أحداً لم يشأ أن يسلبهم إياهن.
5) لقد وجد سقراط الزوجة المناسبة، ولو عرفها معرفة كافية لما سعى إليها، لما وصلت به بطولة عقله الحر إلى ذلك الحد.
الواقع أن "كسنتيب" دفعت به دائماً إلى مجاراة دعوته الطريفة، إذ جعلت بيته غير أهل للسكن، وداره غير أهل للاستقبال. إنها هي التي علمته العيش في شوارع أثينا، وفي كل مكان يسعه أن يثرثر فيه ويعبث، جاعلة منه أكبر جدلي في شوارع أثينا.
6) ليس اللهيب جلياً لنفسه جلاءه لمن يستضيء به، وكذا الحكيم.
7) لن ندعهم يحرقوننا بسبب آرائنا، لأننا لسنا مطمئنين كل الاطمئنان إلى صحتها، ولكننا قد ندعهم يحرقوننا لكي يكون لنا حق في إبداء آرائنا، أو تغييرها.
فجر
1) الإنسان الحر إنسان خال من الخلق، لأنه يريد الخضوع، في كل أمر، لما يريده، لا للتقليد (...). وما التقليد؟ إنه سلطة عليا تطيعها، لا لأنها تأمر بما هو نافع، بل لأنها تأمر.
2) الإيلام من أقدم ملاهي الإنسانية.
3) إن أضيق خطوة على طريق الفكر الحر، وحياةٍ شخصية خاصة، عوقبت دائماً بالتعذيب الروحي والجسدي.
4) المسيحية ترذل العقل، وتشجع الشعور (...): تشجع حب الله، وخوف الله، والإيمان المتعصب بالله، والرجاء الأعمى من الله.
5) لا يمكن الاستدلال على الحقيقة بصدق القائل.
6) من ميزات العوام أن يحسبوا العدو دائماً شريراً.
7) هذا فارغ يتوق إلى الامتلاء، وذاك طافح يتوق إلى الفيضان، وكلاهما يبحث عما يحقق توقه.
هذه الظاهرة (...) هي ما يطلق عليها، في الحالتين، اسم واحد: الحب. فكيف يمكن أن يكون الحب شيئاً خالياً من الأثرة؟
8) هذا يحكم حباً بالحكم، وذلك يحكم هرباً من أن يُحكَم.
9) لا يهم الموجة أن تعرف كيف تُحمل، ولا إلى أين. بل قد يكون من الحكمة ألا تعرف.
10) من يسرع في الكلام، ويكثر منه، تنحط مكانته عندنا، بعد معاشرة قصيرة، انحطاطاً ذريعاً، وإن تكلم كلاماً معقولاً.
11) هذه المرأة ذكية وجميلة، وكم كانت أذكى لو لم تكن جميلة.
12) يصيح "فيخته" العظيم بملء فيه: على الحقيقة أن تقال، ولو تطاير العالم شظايا !! أجل أجل، إنما يجب أولاً أن نملك الحقيقة.
13) إن كانت تحبني فكم سوف تزعجني، إذا ما طال الزمان. وإن كانت لا تحبني فكم سيكون ازعاجها أكثر. إن ثم نوعين مختلفين من الإزعاج، فلنُقدم على الزواج !!
14) ذو الهوى لا يعبأ كثيراً بما يفكر فيه الناس.
15) أكثر العيوب شيوعاً في طريقة تأديبنا وتربيتنا أن ما من أحد يتعلم الصبر على الوحدة، أو يطمح إليه، أو يعلّمه.
16) آه، كم تكره نفسي أن تُرغم آخر على اعتقاد أفكاري !
17) قد يكون أنفع إنجازاتنا، في مجال المعرفة، عزوفنا عن الاعتقاد بخلود النفس.
_________________________
نيتشه .. نبي المتفوق، يوحنا قمير، دار المشرق، بيروت 1986
فريدريك نيتشه*
(*) "فريدريك نيتشه" (1844 - 1900) عبقري وانقلابي خطير، وثائر على القِيَم، ومبدع قِيَم.
هو فيلسوف وشاعر ألماني يفتر الحرف عنده عن عنفوان وعظمة واتقاد وعمق عجيبين. وهو مفكر شغل عصره حتى يومنا هذا.
أعظم مؤلفاته كتاب: "هكذا تكلم زرادشت" الذي تركناه هنا للعدد القادم، ورحنا نستظل بنصوص سبقته استقيناها من كتبه: "بشري، بشري جداً"(1878) و"فجر أو خواطر في الأوهام الخلقية"( 1881).
بشري ، بشري جداً
1) يستوي الفلاسفة جميعهم في هذا العيب: إنهم ينطلقون من الإنسان الراهن، ويتوهمون بلوغ الهدف، إذا ما قاموا بتحليله.
إنهم يتصورون "الإنسان". على نحو غامض وغير مقصود، حقيقة أبدية، واقعاً ثابتاً وسط الدوران العام، مقياس الأشياء الحقيقي.
ولكن أحكام الفيلسوف على الإنسان ليست في الحقيقة سوى رأي في إنسان مدى من الزمان، محدود جداً.
غياب الحس التاريخي لدى كل الفلاسفة هو خطيئتهم الأصلية. يظن كثيرٌ منهم، وهو لا يدري، أن آخر أشكال الإنسان، الذي تكون تحت تأثير أديان معينة، بل تحت تأثير أحداث سياسية، هو الشكل الذي ينبغي الانطلاق منه. إنهم يأبون أن يروا في الإنسان ثمرة صيرورة (...). والحال أن أهم ما في التطور البشري قد تم في غياهب الزمن، في زمن أقدم بكثير من هذه الأربعة آلاف سنة، التي نعرفها على وجه التقريب، وإن يكن من الثابت أن الإنسان ما تغير كثيراً أثناء هذه الآلاف الأربعة (...). وعليه نحن بحاجة، من الآن فصاعداً، إلى الفلسفة التاريخية، ومعها إلى فضيلة التواضع.
2) إن أنبل أنواع الجمال ليس ذاك الذي يفتن برمية واحدة، بهجوم صاعق مغر – فإن مثل هذا الجمال يثير بسهولة النفور -، بل هو جمال ينساب ببطء، نحمله وكأننا لا نشعر به، ويعاودنا يوماً في حلم، هو جمال يشغل، مدة طويلة مكاناً من قلبنا محدوداً، وينتهي بأن يتملكنا تملكاً تاماً، بأن يملأ عيوننا دموعاً، وقلبنا حنيناً.
3) عبد من لا يمتلك ثلثي يومه لنفسه، وإن يكن مع ذاك ما يشاء: رجل دولة، أو تاجراً، أو موظفاً، أو عالماً.
4) حسرة بعضهم من أنهم سلبوا زوجاتهم، وحسرة أكثرهم من أن أحداً لم يشأ أن يسلبهم إياهن.
5) لقد وجد سقراط الزوجة المناسبة، ولو عرفها معرفة كافية لما سعى إليها، لما وصلت به بطولة عقله الحر إلى ذلك الحد.
الواقع أن "كسنتيب" دفعت به دائماً إلى مجاراة دعوته الطريفة، إذ جعلت بيته غير أهل للسكن، وداره غير أهل للاستقبال. إنها هي التي علمته العيش في شوارع أثينا، وفي كل مكان يسعه أن يثرثر فيه ويعبث، جاعلة منه أكبر جدلي في شوارع أثينا.
6) ليس اللهيب جلياً لنفسه جلاءه لمن يستضيء به، وكذا الحكيم.
7) لن ندعهم يحرقوننا بسبب آرائنا، لأننا لسنا مطمئنين كل الاطمئنان إلى صحتها، ولكننا قد ندعهم يحرقوننا لكي يكون لنا حق في إبداء آرائنا، أو تغييرها.
فجر
1) الإنسان الحر إنسان خال من الخلق، لأنه يريد الخضوع، في كل أمر، لما يريده، لا للتقليد (...). وما التقليد؟ إنه سلطة عليا تطيعها، لا لأنها تأمر بما هو نافع، بل لأنها تأمر.
2) الإيلام من أقدم ملاهي الإنسانية.
3) إن أضيق خطوة على طريق الفكر الحر، وحياةٍ شخصية خاصة، عوقبت دائماً بالتعذيب الروحي والجسدي.
4) المسيحية ترذل العقل، وتشجع الشعور (...): تشجع حب الله، وخوف الله، والإيمان المتعصب بالله، والرجاء الأعمى من الله.
5) لا يمكن الاستدلال على الحقيقة بصدق القائل.
6) من ميزات العوام أن يحسبوا العدو دائماً شريراً.
7) هذا فارغ يتوق إلى الامتلاء، وذاك طافح يتوق إلى الفيضان، وكلاهما يبحث عما يحقق توقه.
هذه الظاهرة (...) هي ما يطلق عليها، في الحالتين، اسم واحد: الحب. فكيف يمكن أن يكون الحب شيئاً خالياً من الأثرة؟
8) هذا يحكم حباً بالحكم، وذلك يحكم هرباً من أن يُحكَم.
9) لا يهم الموجة أن تعرف كيف تُحمل، ولا إلى أين. بل قد يكون من الحكمة ألا تعرف.
10) من يسرع في الكلام، ويكثر منه، تنحط مكانته عندنا، بعد معاشرة قصيرة، انحطاطاً ذريعاً، وإن تكلم كلاماً معقولاً.
11) هذه المرأة ذكية وجميلة، وكم كانت أذكى لو لم تكن جميلة.
12) يصيح "فيخته" العظيم بملء فيه: على الحقيقة أن تقال، ولو تطاير العالم شظايا !! أجل أجل، إنما يجب أولاً أن نملك الحقيقة.
13) إن كانت تحبني فكم سوف تزعجني، إذا ما طال الزمان. وإن كانت لا تحبني فكم سيكون ازعاجها أكثر. إن ثم نوعين مختلفين من الإزعاج، فلنُقدم على الزواج !!
14) ذو الهوى لا يعبأ كثيراً بما يفكر فيه الناس.
15) أكثر العيوب شيوعاً في طريقة تأديبنا وتربيتنا أن ما من أحد يتعلم الصبر على الوحدة، أو يطمح إليه، أو يعلّمه.
16) آه، كم تكره نفسي أن تُرغم آخر على اعتقاد أفكاري !
17) قد يكون أنفع إنجازاتنا، في مجال المعرفة، عزوفنا عن الاعتقاد بخلود النفس.
_________________________
نيتشه .. نبي المتفوق، يوحنا قمير، دار المشرق، بيروت 1986