المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحن محاصرون بين ماضويين بلا أفق ومستقبليين بلا جذور


Reta
07-06-2005, 09:08 AM
محمود درويش في تولوز:

http://www.aljabha.org/q/images/darweesh(1).jpg

نحن محاصرون بين ماضويين بلا أفق ومستقبليين بلا جذور! ناجح جغام*


[color=#CC3333]* الشاعر الفلسطيني الكبير لا يعرف ما هي مهمة الشاعر! * يعتبر نفسه محتلا مرتين: لن أتحرّر من فلسطين إلا إذا تحررت من إسرائيل * يؤلمه ان الشعر العربي الذي يدعي الحداثة يريد أن يتخلص من الإيقاعات العربية * عن الكتب المقدسة: أتعامل معها أدبيا وليس دينيا * عن سبب بكائه عند مغادرته لتونس: كنت أعرف أننا ذاهبون إلي الوهم * عن علاقته بإدوار سعيد: علاقة قارئ بناقد أدبي وعلاقة صداقة لكني لم أوافق علي طريقة سعيد العنيفة ضد عرفات * وعن الحل التاريخي الممكن للقضية الفلسطينية: لا حل إلا اللقاء، وهذا يتطلب شروطا: أولا لا جدار عازلاً؛ ثانيا إقناع المجتمع الإسرائيلي؛ ثالثا إقناع السلطة الإسرائيلية*
كان لجمهور مدينة تولوز (جنوب فرنسا) مؤخرا لقاء مع الأدب بمناسبة الدورة الأولي لـ"ماراثون الكلمات"، وهي تظاهرة كبيرة جمعت عددا هاما من الكتاب (محمود درويش، جمال الغيطاني، لوكليزيو، سلمان رشدي...) والممثلين ومختلف المهتمين بالشأن الأدبي، في إطار قراءات ونقاشات ولقاءات مختلفة من أهمها تلك التي جمعت محمود درويش بقراء شعره ومساندي القضية الفلسطينية الذين اكتظت بهم القاعة الدائرية لمكتبة لارونيسانس (النهضة).
بدأ محمود درويش حديثه عن مهمة الشاعر قائلا إنه لا يعرف ما هي! إذ بإمكانه تناول أي موضوع بشرط أن يستطيع التكلم فيه، وأضاف أن هناك شيئاً من العزاء في أن يكون الشاعر صوتا منتميا إلي حيز جغرافي ضيِّق وحاملا لمعني جماعي مشترك. هكذا يكون الشاعر صوتا ذاتيا وجماعيا في نفس الوقت، صوتا يجد فيه القارئ بُعدا يعنيه. إن عمل الشاعر يشمل كذلك أشياء جمالية ومعني إنسانيا، وقد يكون في هذا العزاء... لكن العزاء لا يعوّض الخسارة الكبري: إذا كان الجرح يدفع إلي الغناء لا يشفي.
وواصل محمود درويش حديثه قائلا إنه يعتبر نفسه محتلا مرتين: من طرف إسرائيل ومن طرف القضية الفلسطينية ولن أتحرّر من فلسطين إلا إذا تحررت من إسرائيل. ما معني أن يتحرر من فلسطين؟ يعني أن في خضوعه إلي الشرط الفلسطيني خضوعا إلي المحتل الذي يحتل حتي اللغة الشعرية. من الواجب إذا التحرر من ضغط الهوية الضيقة. ولم يترك درويش هذا المعني عند إجابته عن السؤال أين تعيش؟ إذ قال ضاحكا: الآن في تولوز قبل أن يتحدث عن رام الله حيث هناك أقل من حياة لكن أفضل من الموت .

*الشاعر واللغة*ثم تطرق الشاعر إلي موضوعه الأساسي: اللغة، وهي عنده أساسا مجاز. إنه لا يظن أن هناك لغة جميلة وأخري غير جميلة. إن أرقي ما في اللغة التعبير الأدبي، وأرقي ما في الأدب الشعر. الشعر صورة أجمل وأدق وهو يحمل لغة ويخلق جماليات. لكل شاعر خياله الموسيقي: أنا لست شوفينيا لكني أعتبر الإيقاعات العربية أغني لغات العالم. يؤلمني أن الشعر العربي الحديث أو الذي يدعي الحداثة يريد أن يتخلص من هذا. كثيرون من يرون أن الحداثة تتنافي مع الأوزان الشعرية. إنهم ينسون أن الحداثة هي سيل الإيقاعات... أنا شديد الوفاء لجماليات وإيقاعات اللغة العربية؛ هكذا أكتب، مع موضوع حديث أو حداثي. لن أخون موسيقي العربية .
وأكد درويش تشبعه بـ الشعر القديم الحديث وقال إن أرقي شعر هو الشعر الجاهلي. لا يعني هذا أنني ضد الحداثة. أنا لا أكتب الشعر القديم، لكن تاريخ كل حداثة يجب أن يبدأ بالقديم. الحداثة لا تستورد، هناك إصغاء إلي الحديث يرتكز علي أساس هو جماليات اللغة والتراث الشعري . وتحدث الشاعر عن حيرته أمام هذا الشعر الذي وصل كاملا إذ أننا لا نعرف المرحلة التي سبقته؛ لقد كان طه حسين علي حق في سؤاله هل هذا شعر جاهلي أم ظهر من بعد؟ وأوضح محمود درويش أن في الشعر العربي مرحلتين ذهبيتين: العصر العباسي والعصر الجاهلي المتميز بأسئلته الوجودية. في الصحراء زمن مفتوح وفضاء واسع. إن طرفة بن العبد هو أول شاعر وجودي! وسيبقي السؤال المحير: أين الشعر الذي سبق الشعر الجاهلي؟ إنه يفرض نفسه وكأنه بلا تاريخ هبط من السماء! .
وعن علاقته بالكتب المقدسة قال درويش إنه يتعامل معها أدبيا ولا دينيا؛ فالتوراة كتاب أدبي كبير وليست مصدرا تاريخيا، وهذا ما يتفق عليه حتي المؤرخون اليهود. كما أكد درويش استعمــاله الشعري لقصص الأنبياء ونشيـــد الإنشاد ... الإيمان لا يعنيني؛ لا أعتقد أن الله ملكـــــية خاصة، هو ملك لأي شعب. وبخصوص المسيح قال إنه بعد فصل الكنيسة والدولة أصبح شخصية قابلة للتــــأويل. أما القـــــرآن فهو حافظ اللغة العربية... لقد حافــــظ علي ما قالــــه اليهود عن أنفسهم، كما حافظ علي المســــيح. لكني لا أستـــــطيع أن أتعامل مع شخـــصية محمد كما مع شخصية المسيح؛ لأنه ممنـوع! أنا أتعامل مع تأويلات إنجيلية: هي أكثر حرية! المشكلة هي أن المتعة الجمالية غابت في النقد الحديث عندكم وعندنا.

*الشاعر الشاعر*وسئل عن سبب بكائه عند مغادرته لتونس فأجاب: الأسباب غامضة. ربما بكيت لأننا ذاهبون إلي الحديقة الخلفية للوطن. ربما بسبب المسافة الكبيرة بين المتوقع والحقيقي. كنت أعرف أننا ذاهبون إلي الوهم. لكنني أشعر بوفاء خاص للشعب التونسي لأننا خرجنا لأول مرة غير مطرودين.
ثم تطرق الحديث إلي علاقة الشاعر بإدوار سعيد فقال إنها علاقة قارئ بناقد أدبي كما أنها علاقة صداقة بدأت في سنة 1974 بمناسبة زيارة ياسر عرفات إلي مقر الأمم المتحدة في نيويورك. كتبت عنه قصيدة طويلة هي عبارة عن حوار فكري أكثر منه حوار شعري . لقد كانت لمحمود درويش تحفظات عديدة عن اتفاقيات أوسلو جعلته يخرج من منظمة التحرير وكانت لإدوار سعيد نفس القراءة، وأشار إلي أنه لم يوافق علي طريقة سعيد العنيفة ضد ياسر عرفات.
وركز درويش علي أهمية التصدي للحرب بشاعرية. هذا لا يعني أنه ليس من حق الفلسطيني أن يرمي الحجر علي دبابة، إذ كيف له أن يصمد أمام السطو اليومي؟ هذا عذاب! ، وأشار إلي أن شارون يريد من الفلسطينيين أن يحملوا السلاح لكي يضمن انتصاره. نحن لسنا في عالم يسوده المنطق والأخلاق، بل منطق القوة: أنا ما عنديش قوة : عندي المنطق والأخلاق والحق، هذه قوتي ! إذا رأي شخص أهله يموتون ليس لي الحق أخلاقيا أن أقول له كيف يصمد. وعن الحل التاريخي الممكن للقضية الفلسطينية قال درويش إن لا حل إلا اللقاء، وهذا يتطلب شروطا: أولا لا جدار عازلاً؛ ثانيا إقناع المجتمع الإسرائيلي؛ ثالثا إقناع السلطة الإسرائيلية. لكن هناك الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر إسرائيل قيمة أكثر منها دولة، وكأنها قيمة مقدسة جاءت من الغيب. هذا هو الوضع الأخلاقي العالمي و الشرعية الدولية التي تفرض بذل الجهود لتحقيق اللقاء. هناك أفراد شجعان لكنهم قليلون. نحن الفلسطينيين قدمنا كل التنازلات، بنك التنازلات عندنا أفلس!
وكان لجمهور تولوز لقاء ثان مع محمود درويش في قاعة المسرح الوطني حيث ارتفع صوت الشاعر قارئا جداريته أمام قرابة الألف من الحضور الذين لم يترددوا في دفع العشرة يورووات ليشاركوا الشاعر انعتاق المعني علي إيقاع الكلمات. ولا بد هنا من الإشارة إلي العمل الجدي الذي قام به الممثل الذي قرأ الترجمة الفرنسية لجدارية درويش فكان في مستوي النص وفي مستوي حضور الصوت والشاعر، ذلك المُتَيَّمُ والمُيَتَّمُ والمُتَمِّمُ لِمَا مضي.

*شاعر وأستاذ جامعي تونسي مقيم في تولوز
(القدس العربي)[/color


ريتـــــــــــــــــــا