مشاهدة النسخة كاملة : رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السمّان
رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السمّان
الرسالة الأولى :
" رسالة غير مؤرخة – لا أذكر التاريخ !
لعلها أول رسالة سطرها لي "
غادة..
اعرف أن الكثيرين كتبوا لك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة الأشياء، خصوصا إذا كانت تعاش وتحس وتنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين.. ورغم ذلك، فحين أمسكت هذه الورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمق كثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل، كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك.
الآن أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى ، وقبل لحظة واحدة فقط مررت بأقسى ما يمكن لرجل مثلي أن يمر فيه ، وبدت لي تعاستي كلها مجرد معبر مزيف لهذه التعاسة التي ذقتها في لحظة كبريق النصل في اللحم الكفيف .. الآن أحسها ، هذه الكلمة التي وسخوها كما قلت لي والتي شعرت بأن علي أن أبذل كل ما في طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري .
إنني أحبك: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه – ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا – ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت. أحسها الآن والشمس تشرق وراء التلة الجرداء مقابل الستارة التي تقطع أفق شرفتك الى شرائح متطاولة .. أحسها وأنا أتذكر أنني أيضا لم أنم ليلة أمس وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أجلد – أبكي بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي ، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء .. وتساءلت: أكان نشيجا هذا الذي أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل.؟
لا أنت تعرفين أنني رجل لا أنسى، وأنا أعرف منك بالجحيم الذي يطوق حياتي من كل الجوانب، وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهها .. وبالحريق الذي يشتعل في عروقي ، وبالصخرة التي كتب علي أن أجرّها وتجرني إلى حيث لا يدري أحد .. وأنا أعرف منك أيضا بأنها حياتي انا ، وأنها تنسرب من بين أصابعي أنا ، وبأن حبك يستحق أن يعيش الانسان له .. ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضا بأنني أحبك الى حد أستطيع أن أغيب فيه ، بالصورة التي تشائين ، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة ، وبأنه سيغير شيئا من حقيقة الأشياء .
أهذا ما أردت أن أقوله لك حين أمسكت الورقة ؟ لست أدري .. ولكن صدقيني يا غادة أنني تعذبت خلال الأيام الماضية عذابا أشك في أن احدا يستطيع احتماله ، كنت أجلد من الخارج ومن الداخل دونما رحمة ، وبدت لي حياتي كلها تافهة واستعجالا لا مبرر له ، وأن الله إنما وضعني بالمصادفة في المكان الخطأ لأنه فشل في أن يجعل عذابه الطويل الممض وغير العادل لهذا الجسد ، الذي أحتقر فيه قدرته غير البشريه على الصلابة ، ينحني ويموت ..
إن قصتنا لا تكتب ، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل ، لقد كان شهرا كالإعصار الذي لا يفهم ، كالمطر كالنار ، كالأرض المحروثة التي اعبدها إلى حد الجنون وكنت فخورا بك إلى حد لمت نفسي ذات ليلة حين قلت بيني وبين ذاتي أنك درعي في وجه الناس والأشياء وضعفي وكنت أعرف في أعماقي أنني لا أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن اعطيك حبات عينيّ ولكن لنني لن أستطيع الاحتفاظ بك الى الابد .
وكان هذا فقط ما يعذبني .. إنني اعرفك إنسانة رائعة ، وذات عقل لا يصدق وبوسعك أن تعرفي ما أقصد : لا ياغادة لم تكن الغيرة من الآخرين .. كنت أحسك أكبر منهم بما لا يقاس ، ولم أكن أخشى منهم أن ذلك الشيء الوحيد الذي لا أستطيع أبدا إتقانه ولو أتقنته لما كنت الآن في قاع العالم .. لا ياغادة .. لم يكن ذلك الشعور الكئيب الذي لم يكن ليغادرني ، مثل ذبابة أطبق عليها صدري ، بأنك لا محالة ستقولين ذات يوم ما قلتِه الليلة .
إن الشروق يذهلني ، رغم الستارة التي تحوله الى شرائح وتذكرني بألوف الحواجز التي تجعل من المستقبل – أمامي – مجرد شرائح .. وأشعر بصفاء لا مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معك، لا أريد أن تغيب عني عيناك اللتان أعطتاني ما عجز ك شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي ، ببساطة لأني أحبك ، وأحبك كثيرا يا غادة ، وسيدمر الكثير مني أن أفقدك ، وانا أعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون مثل جروح جسدي : تلتهب كلما هب عليها الريح .
انا لا أريد منك شيئا وحين تتحدثين عن توزيع الانتصارات يتبادر الى ذهني أن كل انتصارات العالم إنما وَزعت من فوق جثث رجال ماتوا في سبيلها .
انا لا أريد منك شيئا ولا أريد – بنفس المقدار – أبداً أبدا أن أفقدك .
إن المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني ، لقد بنينا أشياء كثيرة معا لا يمكن ، بعد ، ان تغيبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق اليه التزعزع .
ولا أريد أن أفقد " الناس " الذين لا يستحقون أن يكونوا وقود هذا الصدام المرّوع مع الحقائق التي نعيشها .
ولكن إذا كان هذا ما تريدينه فقولي لي أن أغيب أنا .. ظلي هنا أنت فانا الذي تعودت ان أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي .
ولكنني هذه المرة سأمضي وانا أعرف أنني أحبك وسأظل أنزف كلما هبت الريح على الاشياء العزيزة التي بنيناها معا .
غسان
يتبع الرسالة -2-
الرسالة -2-
رسالة غير مؤرخة لكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في القاهرة اواخر تشرين الثاني ( نوفمبر ) وقبل 29-11-1966 بيوم او اثنين .
عزيزتي غادة ..
مرهق الى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع ، سعادة الألم التي لا نظير لها ، أفتقدك يا جهنم ، يا سماء ، يا بحر ، أفتقدك الى حد الجنون ، الى حد أضع صورتك أمام عيني وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .
ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن ، وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك ، لها طعم نادر كالبهار .. انها تبتعث الدموع الى عيني أيتها الشقية . الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك : فحين أغلقت الباب وتركتني عرفت ، عرفت كثيرا أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك ، لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي ، تشبثت بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها الى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة .
لن أنسى ، كلا . فانا ببساطة أقول لك : لم أعرف أحدا في حياتي مثلك ، أبدا ، أبدا ، لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبدا أبدا ولذلك لن أنساك ، لا ... إنك شيء نادر في حياتي ، بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك .
سأكتب لك أطول وأكثر .. لقد أجلو المؤتمر الى 30 ولكنهم سيسفروننا غدا، الأحد الى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم ، يا للهول ..
ويبدو انه لن يكون بوسعي أن أعود للقاهرة قبل الرابع ، وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل .. الا اذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدوا ..
حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه * ، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة .. قال لي وهو يهز رأسه : أخيرا أيها العفريت وجدت من يسكت شراستك ، سينشر الموضوع في ( المصور) ** التي علمت أنها توزع في كل البلاد العربية أعدادا هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم .. ولكنني بالطبع لا أعرف متى ..
وزعت كتبك *** ، تحدثت عنك كثيرا ، فكرت بك ، بك وحدك .. وأنت لا تصدقين .. وأنت ( حين أعذب نفسي في المساء ) موجودة في الماي فير **** مع الناس والهواتف والضحك ..
حاولي أن تكتبي لي : فندق سكرابيه شارع 26 يوليو ، القاهرة ، فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين ..
اه يا عزيزة
غسان كنفاني .
ريتـــــــــــــــــــــــــــــــــــا
الرسالة رقم -3- ..
كازينو الأندلس – غزة ******* فندق الأندلس – غزة
فندق قصر البحر – غزة ****** كازينو هويدي – غزة
غزة في 29-11-1966
غادة ..
كل هذه العناوين المسجلة فوق، على ضخامتها ليست إلا أربع طاولات على شاطئ البحر الحزين، وأنا، وأنت، في هذه القارورة من العزلة والضجر. إنه الصباح، وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل، وعلى مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك فقط هو الذي يجعلهم هكذا ؟ ثم جئنا جميعا إلى هنا: أسماء كبيرة وصغيرة، ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت أكتب في ناحية، ومن مكاني أستطيع أن أرى مقعدي الفارغ في مكانه المناسب، موجودا بينهم أكثر مما كنت أنا.
إنني معروف هنا، وأكاد أقول " محبوب "، أكثر مما كنت أتوقع، أكثر بكثير، وهذا شيء، في العادة، يذلني، لأنني أعرف بأنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ، وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طول النهار والليل أستقبلُ الناس، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجاناً وفي كل مكان أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى هؤلاء الناس وإلى نفسي.إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق.
ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي.. أنا لم أفقد صوابي بك بعد، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى، وأنبل وأجمل. لقد كنت في بدني طوال الوقت، في شفتي، في عيني، وفي رأسي، كنتِ عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود.. إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك.. وحين أرى منظرا أو أسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني، كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي، أحيانا أسمعك تضحكين، وأحيانا أسمعك ترفضين رأيي وأحيانا تسبقينني إلى التعليق، وأنظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد لمحوكِ معي، أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على رقابهم، إنني أحبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي، ولست أذكر في حياتي سعادة توازي تلك التي غسلتني من غبار وصدأ ثلاثين سنة ليلة تركت بيروت هنا.
أرجوك.. دعيني معك. دعيني أراك . إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا أعرف ولكن ما العمل ؟ إنني أعرف أن العالم ضدنا معاً ولكنني أعرف أنه ضدنا بصورة متساوية، فلماذا لا نقف معا في وجهه ؟ كفّي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنت نستحق أن نسحق على هذه الصورة. أما أنا أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد، سأظل، ولو وُضع أطلس الكون على كتفي، وراءك ومعك. ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك، وسأفقد بعد، كل شيء.
" إنني لا أستطيع أن أكرهك ولذلك فأنا أطلب حبك " (*).. أعطيك العالم إن أعطيتني منه قبولك بي.. فأنا أيتها الشقية، أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقد أثمن ما لديّ، والى الأبد..
سأكتب لك وأنا أعرف أنني قد أصل قبل رسالتي القادمة، فسأغادر القاهرة يوم 5 كانون وتأكدي: لا شيء يشوقني غيرك.
غسان كنفاني.
--
(*) هذه العبارة استشهاد لغسان من إحدى رسائله الوجدانية لي المنشورة في زاوية " أوراق خاصة " في جريدة المحرر، وغير المنشورة بعد في " الأعمال الكاملة لغسان كنفاني ". وكان غسان يحمل مسودات رسائله إلي التي ينشرها وذلك بعد أن تقوم المطبعة بصفها، وقد احتفظت بتذكارات منها بخطه، لكنني لم أنشرها في هذا الكتاب، إذ من المفروض أن تصدر في مجلد خاص بها في " الأعمال الكاملة لغسان كنفاني " ما دام قد اختار أن ينشرها بنفسه في الصحف خلال حياته. غادة السمّان
- ما زال يتبع -
الرسالة -4-
20-1-1967
عزيزتي غادة ..
صباح الخير
ماذا تريدين أن أقول لك ؟ الآن وصلت إلى المكتب ، الساعة الثانية ظهرا ، لم أنم أبدا حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح : أسترق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأنني لا أريد أن تلحظ تلك الأشياء لهفتي وخيبتي ، اليوم فقط كنت متيقنا أنني لن أجد رسالة منك ، طوال الأيام ال 17 الماضية كنت أنقب في كوم البريد مرة في الصباح ومرة في المساء ، اليوم فقط نفضت يدي من الأمر كله ، ولكن الأقدار تعرف كيف تواصل مزاحها ، لقد كانت رسالتك فوق الكوم كله ، وقالت لي صباح الخير! أقول لك: دمعت.
منذ سافرتِ سافرت آني، وإلى الآن ما تزال في دمشق وأنا وحدي سعيد أحيانا، غريب أحيانا وأكتب دائما كل شيء إلا ما له قيمة .. حين كنتِ في المطار كنت أعرف أن شيئا رهيبا سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركي للمحرر (1) ، ولكنني لم أقل لك . كنتِ سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبت إلى البيت وقلت للمحرر أن كل شيء قد انتهى.
إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك، لأنني أكثر من ذلك، " تعبت من الوقوف " بدونك .. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقا حين تسافرين.
ولقد آلمتني رسالتك، ضننتِ علي بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلي أسبوعا أو أكثر دون أن أخطر ببالك. يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لكِ. مع عاطف (2) شربنا نخبكِ تلك الليلة في الماي فير (3) وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية (4) بصمت فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئا .
متى سترجعين ؟ متى ستكتبين لي حقا ؟ متى ستشعرين أنني استحقك ؟ إنني انتظرت، وأنتظر، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك ..
غسان
ريتــــــــــــــــــــــــــــا
بعد كل ما قراته هنا،،،
لا يمكنني ان اخط ولا حتى كلمه واحده
،،،،،،،
كأنه كان يبحث عن مكان يحميه من خسائر الماضي، عن ظلال تخفف عنه لهيب الظهيرة في رحلات الهجرة، عن يد تداعب شعره وتعيد إليه حنين أيام يافا، هكذا يبدو غسان كنفاني في رسائله إلى غادة السمان، بل أعمق من ذلك، يذهب في بعض الرسائل إلى البحث عن معنى الوجود والحياة، عندما تصبح الوحدة كل شيء، والحياة صقيعاً أو أشبه بهضبة جليد.
لا يستطيع المرء أن يقرأ هذه الرسائل التي صدرت في كتاب دار الطليعة البيروتية عام 1991، بمعزل عن الحقبة التي كتبت فيها، وهي نهاية الستينيات، تلك المرحلة التي تركت أثرها في حياة الكاتب، وفي حياة العاشق، وفي حياة المناضل. وقد أتى الحب ليشعل الأماكن الغامضة في داخل المبدع، فكانت حياة من نوع آخر، لشدة ما صدع جدران روحه. فراح يلح في الكتابة مستلهماً أروع المشاعر وأرق الأحاسيس، مسترجعاً صوراً من ماض سحيق في مكان لم يعد بمقدوره العودة إليه، للتفرج على بقاياه أو رموزه. وكانت يافا حاضرة كمكان مفقود كما الحبيب الذي يقيم في طرف آخر بعيد من الأرض. فكأن الأماكن المشخصة الأخرى مطارح رجراجة وغير ثابتة وغير متوضعة بالنسبة إليه، أماكن مؤقتة، لا يشعر بأنها صلبة تحت قدميه حين يسير، ولا تشعره بالأمان، لذلك كان البحث عن أرضية تشعره بالطمأنينة، وعن ائتلاف وجداني يعيد إليه معاني ومضامين حميمية التواصل وألق الذاكرة وينابيع الطفولة، كان البحث عن الذات المأزومة في شتاتها، وعن الحلم المتعملق في ذروة الآلام: وكانت غادة السمان. لكنها أيضاً، مرت سريعاً في (الرحلة)، أو في مسار البحث عن شيء يحميه ويثبته ويحصنه، بدت غصناً وارفاً في صيف حار، لا يكفي، لا يستطيع الصمود في مواجهة الفصول، وكانت امرأة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنها ابتعدت، وغابت، مثل كل الأشياء الجميلة الأثيرة التي أحبها وتعلق بها وابتعدت عنه.
في الرسائل، فاض غسان كنفاني بالصدق والعاطفة والبوح الوجداني، قال، ربما، كل ما أحس به وهو في غمرة الاشتياق والحنين، وقد تكون الرسالة التي يخاطب بها أخته تلخيصاً مكثفاً لرؤيته للعبة الحياة والحب. أما المبدعة غادة السمان فإنها تقول في (هوامشها) الرائعة: (إنه أتاها ذات صباح.. وسلمها الرسالة ومضى من دون كلام آخر). وفي الرسالة تقرأ غسان كنفاني الفتى، أو الصبي في شوارع يافا وأزقتها، نشاهده مبلل الشعر يلهو تحت مزاريب السطوح، يذكر أخته بأشياء وأشياء عندما كانت في مخاض الولادة، مهدداً الطبيب (بالمشرط) إذا لم ينقذها من الموت. ويسأل أخته، في السياق، عن المولود الذي لم يره بعد ذلك، لأن الهجرة بدأت، يسألها عنه، عن أحواله يوم كان صغيراً، ويضع رأسه بين يديها لتجفف شعره المبتل، ويقول لها: (أحس أن رأسي مبلل من الداخل) ثم يحدثها عن أحواله وحبه، ويذكرها بكلام كانت تقوله له، عن فتاة سوف تعصر له قلبه، ويصارحها بأن ذلك قد حدث فعلاً، وأن قلبه يعتصر كالليمون على (كورنيش الروشة)، يصارحها بألمه، وبالوجع، وبالتصدع الذي يشعر به، ويكثف في السياق مشاعره وأحساسيسه نحو الحياة والوجود والموت. يبوح بكل ما يختلج في أعماقه وبكل ما يحرق القلب ويوجع الجسد، ويتكشف كالمرآة واضحاً صريحاً بعيداً وعميقاً، ومناضلاً عرف، في أعوام قليلة نسبياً، كيف يخلق لنفسه عالماً إبداعياً واسعاً على أكثر المستويات والصعد الإنسانية أهمية.
وما يستنفر القارئ في تلك الرسائل أن غسان كنفاني كان يستعجل حدوث كل شيء، يستعجل اكتمال الفكرة والحلم والحب، يجري، يركض كي يحقق كل شيء قبل نهاية كان يتوقعها قريبة، وقريبة جداً، وكأنه، في توهج، كتابة وحباً ونضالاً، يهرب من نهايته، يبعد عنها طفولة بعيدة، وتارة، في رحلة ظهيرة محرقة، وتارة في حب امرأة نأت عنه، بعد أن ألهبت القلب ومزقت مشاعر تتأرجح ما بين الحياة والوجود، فراح أيضاً يستعجل عودتها، ويلح في لقاء سريع، ويدعوها إلى الكتابة، إلى الإجابة عن رسائله. وفي كل مدينة كان يذهب إليها، تصبح المدينة بريداً بالنسبة إليه لإرسال الخطابات، وكل ذلك لم يغير شيئاً، بل كان يزيد من وهج التجربة، من وهج الحنين والاشتياق، وتصبح الكتابة وحدها درب الوصول إلى الشيء المفقود، إلى الأرض السليبة، إلى المرأة، الأم، الحبيبة، إلى الدروب البعيدة، لتصبح هي الخلاص، دون أن تكتمل بها النجاة، بل لتزيد قلق المبدع، ومعاناة العاشق.
بالنسبة للرسائل، نحن لا نعرف النصف الثاني منها أو الوجه الآخر، لا تستطيع تحديد ماهيتها، أو كيف كانت إجابات غادة السمان وردودها (وإن كانت تدعو، في هوامشها وفي المقدمة، الذين بحوزتهم رسائلها، العمل على نشرها)، لكننا نستشف من بعض ما كتبه كنفاني لها، أن إجاباتها كانت تحمله أكثر على القهر والحزن والقلق. تقول له في (كارت بوستال) أرسلته إليه من لندن: (هنا في برد كتير)، وبالمقابل نقرأ غسان الرجل العاشق الذي يحترق، دعوته إليها، إلى اقتسام وحدته، إلى التناغم مع روحه الملتاعة، ليكتمل بها. يكتب إليها واصفاً دواخل عالمه وتفاصيل الأشياء حوله، وكيف أنها شكلت بالنسبة إليه الشيء الضائع الذي يبحث عنه، ثم ذهب إلى ضياع جديد.
ومهما يكن من أمر فقد شكلت تلك الرسائل علامة فارقة، معبرة أضاءت بعض زوايا حياة غسان كنفاني وإبداعاته، وإن كان البعض يذهب إلى أنها (غير لائقة) أن تصدر في الوقت الذي يكرم فيه المبدع كمناضل، مع أن النضال هو سمة مرتقبة من سمات الحب، وأن العديد من العشاق الذين عرفهم التاريخ كانوا مناضلين غيروا عالماً وصنعواً عالماً جديداً أكثر زهواً وتفتحاً.
ريتـــــــــــــــــــــــــــا
يقول غسان كنفاني، في إحدى رسائله، لغادة السمان "أعرفُ أن شيئاً واحداً أستطيع أن أقوله وأنا واثقٌ من صدقه وعمقه وكثافته، وربما ملاصقته التي يخيل إليّ الآن أنها كانت شيئاً محتوماً، وستظل كالأقدار التي صعقتنا : أنني أحبك".
.. وعندما آن أوان الاحتفال بذكرى غسان كنفاني، صارَ لكلٍ أن يحتفلَ على طريقته. غادة السمان فعلتْ ذلك على طريقتها هي الأخرى، فقد نشرتْ رسائلَ حبٍ كتبها لها غسان في أجمل لحظات عمره. كان ذلك من حقه، و آن لأن يكون.. من حقها.
هل هدأتْ العاصفةُ التي أثارها نشر كتاب الرسائل ؟
للوهلة الأولى كان علينا أن لا نستغربَ ردود الفعل تلك، ربما بسبب طبيعة المجتمع (الظريف) الذي نعيشُ في كنفه. ولكن ماذا نفعل إذا بدتْ الأمورُ على غير ما نتمنى. كانت ردود الفعل متفاوتة. من بينها ثمة إستنكار مزدوج : تشكيك في صحة أمرالعلاقة والرسائل أصلاً، ثم إستهجان نشرها. وذهب البعض إلى الاستعداء من أجل مقاضاة غادة السمان، والتلميح إلى مؤآمرة (تتصل بالنظام العالمي الجديد، حسب الياس العطروني؟) تستهدف الاساءة والتشويه لصورة وتاريخ غسان كنفاني الأدبي والنضالي. ولعل التفاوت الطريف في ردود الفعل هذه، ذلك الذي يشير إلى الاختلاف العميق في تعاملنا مع الحب في حياتنا. ففي حين إعتبرَ الياس خوري أن (غسان كنفاني اليوم يسطع كما لم يسطع من قبل) فإن الياس العطروني رأى في نشر الرسائل أمراً "يمكن وصفه بالعورات". بالنسبة لمقال العطروني الذي نشره في جريدة (السفير 92/8/1) لم يكن مهتماً ببحث أمر علاقة الحب كواقعٍ وقع. هذا ليس مهماً. الأمر عنده مستبعد، أو ينبغي أن يُُستبعد ويُغفل ويُسكتْ عنه، فالحب لا يليق بغسان المناضل. كما لو أن النضال فعالية نقيضة لعاطفة الحب. في حالة أديب مثل غسان كنفاني، ثمة من سيعتبر العشق فضيحة. لكن طاقة العشق المكبوتة سوف تفضح الفضيحة. الأمر الخطير أن هناك من أبدى إعتراضه على مسألة كشف عورة الحب. لكنه من حيث المبدأ لم يعترض على الفكرة أصلاً. وفي هذا السلوك يكمنُ خلل تعاملنا مع أشياء الواقع وحقائقه من حولنا. إذن لماذا الاعتراض على حقيقة حدثت وصارت تاريخاً؟. لماذا التوهم بأن نقاء الانسان ومصداقيته سيصابان بالعطب، إذا ما عاش المرءُ حالةَ حبٍ في مثل ملابسات وظروف غسان كنفاني؟ أليس الحب مجداً للعاشقين؟ هل كان غسان كنفاني "من خلال مناطق ومساحات كاملة من الرسائل شخصاً في حالة إنعدام الوزن" كما عبّرَ نوري الجراح؟. ليس في هذا التعبير هجاء. فما إن يقع الرجل الشرقي في حالات العشق والتضرع والتدله (التي تفيض بها رسائل غسان لغادة) حتى يبدو شخصاً لا وزن له. وسوف يكون خفيفاً وطائشاً ومتهوراً ومراهقاً، ولا يحسب لرزانة العمر حساباً. غسان كنفاني، حسب هذا المنظور، كان عديم الوزن والطعم والرائحة.
عصام محفوظ (في جريدة النهار) قدمَ لنا نموذجاً آخر في النظر. فهو لم يجد في الرسائل "ما يستحق الاستنكار والاستهجان (...) و ليس في التذلل في حب امرأة ما يلغي صورة المناضل التي لغسان كنفاني لدي الجميع". ويعلق عصام محفوظ متسائلاً "كيف يستطيع أحد النضال دون حب؟ يقول غيفارا أن النضال هو أسلوب حب". لكن ما يدعونا إلى الاستغراب من موقف عصام محفوظ، أنه إعتبر توقيتَ نشر الرسائل هو ما يدعو للإستهجان أو الاستنكار، فيرى "أن استعداد ات كبرى كانت تجري منذ عام للإحتفال بذكرى غسان كنفاني بعد عشرين عاماً من إغتياله، وأن نشر الرسائل في هذا الوقت بالذات فخٌّ نصبه الذين كانوا يريدون أن يشوّهوا صورة نضال غسان، وفي إعتقادهم أن إبراز ضعفه تجاه امرأة يلقي ظلاً سيئاً على نضاله. فتشجعتْ (غادة) دون وعي بالفخ على نشر الرسائل". ليس واضحاً لدينا ما إذا كان عصام محفوظ يعتبر الأمر برمته طبيعياً ومشروعاً، أم لا. فهو، من جهة، لا يرى في واقعة العلاقة والرسائل ما يدعو للإستهجان والاستنكار، وإنه ليس في حب رجل وتذلله لإمرأة ما يخدش صورة المناضل، وأن النضال هو أسلوب حب، حسب غيفارا. لكنه من جهة أخرى، يعترض (فحسب) على توقيت النشر. ترى كيف يستقيم الأمران. فالذي لا ينطوي على إساءة لشخصية غسان ونضاله، لا يعود مهماً متى يقال وأين يطرح، على العكس، إن مناسبة الاحتفال بذكرى غسان توقيتٌ جدير بالتعرف على التعدد الجميل في تجربته الانسانية والابداعية. ما الذي يضير في أن نعرفَ بأن غسان كنفاني تدلّه في حب امرأة إلى هذا الحد، ونعرف، خصوصاً، بأن هذه المرأة هي غادة السمان. ترى ألا يزيد حبٌ على هذه الشاكلة غساناً مجداً على مجد، ويضاعف حبنا وتقديرنا للبعد الذاتي في تجربته؟ ففي هذا الاختراق دليلٌ إضافيّ على مخيلة المبدع التي تمارس فعل الحرية بمعزل عن المواصفات والاعتبارات القائمة، وهو فعل إبداع في حد ذاته. إن المفارقة التي يقترحها علينا عصام محفوظ نموذج لأحد أشكال الازدواج في ذهنيتنا العربية، وتوزعها بين مكبوت مسكوت عنه، هو توقٌ عفويّ للحب، وبين شعار معلن خاضع للمواصفات الأخلاقية القائمة على شروط لا إنسانية ولا تستقيم مع طبيعة أشياء الانسان وحقه في الحرية. المذهل في مجمل الذين استنفروا دفاعاً متوهماً عن غسان / الرجل، أنهم (وياللغرابة) غفلوا عن غادة / المرأة. فالطريف في تلك الهبَّة أنها، للمرة الأولى، بدأ العربُ ينافحون عن سمعة رجل إرتكبَ (خطيئة) الحب، دون أن يتوقفوا، للحظة واحدة، أمام (سمعة) المرأة التي أعلنتْ هذا الحب وباهَتْ به. لماذا يكون في الحب ما يسيئ إلى غسان، دون أن يلتفتوا إلى المرأة التي أحبَها وتعلقَ بها وتَولّه ؟! لقد بالغَ بعضُهم في دفاعه عن غسان، ومحاولة تبرئته، كما لو أنه وقعَ في حب من يستوجب رجمها (حسب قانونهم). نخشى أن هؤلاء قد بالغوا، إلى حد إهانة المرأة التي أحبَّها غسان كنفاني، ليقعوا نهاية أمرهم في الاساءة إلى من تصدّوا للدفاع عنه ؟!. لا نرى مهماً في الواقع ما إذا كانت غادة تبادل غساناً نفس الدرجة من الحب، فإن فعل الحب في حد ذاته يكفي لكي نتعرف على طبيعة الانسان المتوارية والمسكوت عنها. كم من العشاق أحبوا من طرف واحد. وقعوا في العشق فقط. إن أشهر العشاق قد قضوا دون أن ينالوا من الحب سوى حلم الحب ولذته المتوهمة. بالنسبة للعشاق، فعل الحب هو المهم. إما نحن (فيما بعدهم) فليس لنا سوى المديح والهجاء.
شكراً غسان. (أعني شكراً غادة). تضعان (أحدكما من موته والأخرى في حياتها) ناراً جديدة في هيكل يكابر(لا يزال) وهو يتداعى وينهار. وما إن تكون هذه النار من الحب، حتى يصبح الأمرُ ضرباً من الفضيحةالمبجَّلة. هذا شرقنا، الحب عنده هو العار الذي.."لا يسلم الشرف الرفيع..". ولكن المشهد يبدو الآن أكثر تفسّخاً. فثقافتنا العربية، في جانبها الثوري، وإعلانها التقدمي خصوصاً، لا تزال ميالةً لإعتبار الحب عاطفةً برجوازية من شأنها أن تخدشَ نقاء المناضل. وإن الثوريّ لا يصير صادقاً إلا إذا كان مخْصِياً في عاطفته. فالأديب المناضل محظورٌ عليه أن يقولَ عن الحب. لا أعرف بالضبط من أين اجترح علينا ثوريو العرب الأشاوس هذا الشرط النضالي، ونحن أبناء تراثٍ كثيفٍ من العشق والعشاق، تراث يصل أحياناً إلى حد التبذل. تراث موغل في العواطف الجياشة، تراث هو أقدم من الدين ذاته. وكثافة هذا التراث جعلته قادراً على الاختراق، بحيث لم يستطع الدين أن يشغل أدباء العربية (آنذاك) عن الاستغراق في أحوال الحب. وبالرغم من تدهور موقف المجتمع العربي من مسألة الحب، وتحفظه حسب أعراف العقد المتزمت رسمياً، إلا أن الحب كان موجوداً هناك، في المكان الحميم من الأدب، بل أن أجمل نصوص الابداع العربي هي تلك التي اتصلت بالحب والعشق بطرف. ولعل البعد التقدمي في تراثنا العربي يكمن في الانحياز المكبوت للعلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، وهي تجربة جميلة غيّبها الحدُّ التقليديّ في البحث الأدبي السابق، وظلت مسكوتاً عنها، وبعيدة عن جرأة البحوث الأدبية الجديدة، التي تكلمتْ عن تقدمية كل شيئ في تراثنا فيما عدا الحب. وكان الأجدر بتقدمييّ الثقافة العربية وثورييها أن يتصلوا بذلك الجذر الثقافي، ويعملوا على بلورته في سلوك حضاريّ جديد. لكن الذي حدثَ هو العكس تماماً، فقد إتخذ هؤلاء، إزاء الحب، موقفاً طهرانياً يضاهي موقف المحافظين من أصحاب التقليد الاجتماعي. الأمر الذي جعل عاطفة الحب نقيضاً لأي مشروع نضالي أو سلوك ثوريّ. ويجوزلنا أن نتساءل عن مصدر هذا السلوك في تجربة الثقافة العربية المناضلة (التقدمية خصوصاً) هل هو خليطٌ من تربية دينية شرقية مشوّهة من جهة، ومن جهة أخرى تزمتٌ أيديولوجيّ، تمثلتْ نماذجه الفادحة في الدوغمائية السوفيتية التي مارست قمعاً مشهوراً لتجارب أدبية معروفة، ونستطيع بجردة سريعة للأدب العربي الحديث أن نكتشفَ أشكال التوظيف الأيديولوجي لرمز المرأة، متجلياً بإتصالها بالأرض والأم والوطن والثورة والزوجة. ولكن من النادر أن نصادفَ إمرأةً خارج حدود البعد النضاليّ الساذج، والعرف الاجتماعي التقليدي. ولن نصادف رجلاً يتمتع بحياته العاطفية بحرية كاملة، دون يكون (برجوازياً خائناً). وبلاشك سوف يكون هذا انعكاساً ميكانيكياً في سلوك المناضل العربي. وبالتالي ستتعرض مشاعر الحب لكبتٍ مضاعفٍ، وتظل مؤجلة وسرية في الأغلب. ذلك لأن السلوك المعلن ينبغي أن يظلَ على تلك الدرجة من الطهرانية، وكلما كان المناضل زاهداً أكثر في الحب، صار نموذجاً جيداً يحتذى بمصداقيته. وإذا أعلن المناضل إنه قرر أن يتزوج الثورة، فستكون هذه ذروة التضحية التي يتطلبها العمل الثوريّ. ذلك المشهد لم يكن يعني أن الحقيقة هي في السلوك المعلن، فثمة سلوك يتفشى هنا وهناك، بين وقت وآخر. ويعرف الكثيرون أن حياة خاصة مسكوت عنها، سوف يلجأ إليها للتنفيس وتفريغ الكبت الثوريّ. وتتفاوت طبيعة هذه الحياة بين العلاقات العاطفية الحميمة والصادقة خارج المؤسسة الحزبية وشروطها الطهرانية، وبين اللهو والتبذل. كل ذلك سوف يحدث دون إعلانه أو الاعتراف به، لأنه يخدش صورة المناضل ومصداقيته. إلى هذه الدرجة يستطيع المفهوم المشوّه للنضال والثورة مسخ البناء العاطفي للإنسان. وعندما نلتفت إلى تجلي هذا في الصعيد الأدبي، سنرى النقائضَ على آخرها. وسنرى ركاماً هائلاً من الأعمال الأدبية (خصوصاً تلك التي كتبها أدباءُ رموزٌ في حركة النضال العربي)، تكاد تكون خالية من نضارة الحياة وعفويتها، فيما يتصل بالعلاقة بين الرجل والمرأة، لأن موضوع الحب والزواج في هذه الأعمال، سوف يقتصر على وظيفته النضالية، والسلوك العاطفي لا يبدو صادقاً، ولا يقارب حالات العشق التي لا تكاد تخلو أية حياة حقيقية من جنونه ونزواته في شتى مراحل حياة الانسان. لكن، هل أصبح هذا السلوك، الآن. جزءاً من مرحلة تغادرنا بكافة ملامحها؟ ليس هذا مؤكداً، فثمة من يتشبث بذات العقلية ويحاول أن يدافع عن ذلك السلوك الطهراني، بالرغم من كثافة حجم المتغيرات الجوهرية في بنية المفاهيم والأفكار التي أثبتتْ التجربة ضرورة إعادة النظر جذرياً حولها، إذا لم يكن أوان تجاوزها قد أزف. ونحن ندرك أن التخلص من آثار التربية السابقة ليس سهلاً، ولن يحدث سريعاً. ولعل في ردود الفعل المباشرة التي أثارها نشر رسائل غسان كنفاني لغادة السمان تعطينا الدليل على أن الماضي.. لا يزال معاصراً. لذلك يتوجبُ توجيه الشكر العميق لغادة السمان (وغسان كنفاني خصوصاً) لأنهما فعلا شيئاً خارقاً. غسان اخترق العائلة والحزب معاً، وغادة اخترقت حاجز الوهم الاجتماعي الذي يتوشح به سدنة الأخلاق... غير الأخلاقيين.*
ريتــــــــــــــــــــــــــا
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.8.3
bdr130.net