المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحداثة في الادب


Shahd
06-18-2005, 11:00 PM
التعريف :

● الحداثة مذهب(*) فكري أدبي علماني، بني على أفكار وعقائد غربية خالصة مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والداروينية، وأفاد من المذاهب الفلسفية والأدبية التي سبقته مثل السريالية والرمزية… وغيرها.

● وتهدف الحداثة إلى إلغاء مصادر الدين(*)، وما صدر عنها من عقيدة وشريعة وتحطيم كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحجة أنها قديمة وموروثة لتبني الحياة على الإباحية والفوضى والغموض، وعدم المنطق، والغرائز الحيوانية، وذلك باسم الحرية(*)، والنفاذ إلى أعماق الحياة. والحداثة خلاصة مذاهب خطيرة ملحدة، ظهرت في أوروبا كالمستقبلية والوجودية والسريالية وهي من هذه الناحية شر لأنها إملاءات اللاوعي في غيبة الوعي والعقل(*) وهي صبيانية المضمون وعبثية في شكلها الفني وتمثل نزعة الشر والفساد في عداء مستمر للماضي والقديم، وهي إفراز طبيعي لعزل الدين عن الدولة في المجتمع الأوروبي ولظهور الشك(*) والقلق في حياة الناس مما جعل للمخدرات والجنس تأثيرهما الكبير.

Shahd
06-18-2005, 11:04 PM
التأسيس وأبرز الشخصيات:

● بدأ مذهب الحداثة منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً في باريس على يد كثير من الأدباء السرياليين والرمزيين والماركسيين والفوضويين والعبثيين، ولقي استجابة لدى الأدباء الماديين والعلمانيين والملحدين في الشرق والغرب. حتى وصل إلى شرقنا الإسلامي والعربي.

● ومن أبرز رموز مذهب(*) الحداثة من الغربيين:

- شارل بودلير 1821 – 1867م وهو أديب فرنسي أيضاً نادى بالفوضى الجنسية والفكرية والأخلاقية، ووصفها بالسادية أي مذهب التلذذ بتعذيب الآخرين. له ديوان شعر باسم أزهار الشر مترجم للعربية من قبل الشاعر إبراهيم ناجي، ويعد شارل بودلير مؤسس الحداثة في العالم الغربي.

- الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير 1821 – 1880م.

- مالا راميه 1842 – 1898م وهو شاعر فرنسي ويعد أيضاً من رموز المذهب الرمزي.

- الأديب الروسي مايكوفسكي، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل.

● ومن رموز مذهب(*) الحداثة في البلاد العربية:

- يوسف الخال – الشاعر النصراني وهو سوري الأصل رئيس تحرير مجلة شعر الحداثية. وقد مات منتحراً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

- أدونيس ( علي أحمد سعيد) نصيري سوري، ويعد المُروِّج الأول لمذهب الحداثة في البلاد العربية، وقد هاجم التاريخ الإسلامي، والدين(*) والأخلاق(*) في رسالته الجامعية التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة "القديس يوسف" في لبنان وهي بعنوان الثابت والمتحول، ودعا بصراحة إلى محاربة الله عز وجل. وسبب شهرته فساد الإعلام بتسليط الأضواء على كل غريب.

- الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي.

- الشاعر الفلسطيني محمود درويش

- الشاعر المصري صلاح عبد الصبور – مؤلف مسرحية الحلاج.

Shahd
06-18-2005, 11:08 PM
أهم خصائص الحداثة :

- محاربة الدين (*) بالفكر وبالنشاط.

- الحيرة والشك (*) والقلق والاضطراب.

- تمجيد الرذيلة والفساد والإلحاد.

- الهروب من الواقع إلى الشهوات والمخدرات والخمور.

- الثورة على القديم كله وتحطيم جميع أطر الماضي، إلا الحركات الشعوبية والباطنية(*).

- الثورة على اللغة بصورها التقليدية المتعددة.

- امتدت الحداثة في الأدب إلى مختلف نواحي الفكر الإنساني ونشاطه.

- قلب موازين المجتمع والمطالبة بدفع المرأة إلى ميادين الحياة بكل فتنتها، والدعوة إلى تحريرها من أحكام الشريعة(*).

- عزل الدين ورجاله واستغلاله في حروب عدوانية.

- تبني المصادفة والحظ والهوس والخيال لمعالجة الحالات النفسية والفكرية بعد فشل العقل في مجابهة الواقع.

- امتداد الثورة على الطبيعة(*) والكون ونظامه وإظهار الإنسان بمظهر الذي يقهر الطبيعة.

- ولذا نلمس في الحداثة قدحاً في التراث الإسلامي، وإبرازاً لشخصيات عرفت بجنوحها العقدي كالحلاج والأسود العنسي ومهيار الديلمي وميمون القداح وغيرهم. وهذا المنهج يعبر به الأدباء المتحللون من قيم الدين والأمانة، عن خلجات نفوسهم وانتماءاتهم الفكرية.

ويتضح مما سبق:

أن الحداثة تصور إلحادي جديد – تماماً – للكون والإنسان والحياة، وليست تجديداً(*) في فنيات الشعر والنثر وشكلياتها. وأقوال سدنة الحداثة تكشف عن انحرافهم باعتبار أن مذهبهم يشكل حركة مضللة ساقطة لا يمكن أن تنمو إلا لتصبح هشيماً تذروه الرياح وصدق الله العظيم إذ يقول: }ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً{.

حسبنا في التدليل على سعيهم لهدم الثوابت أن نسوق قول أدونيس وهو أحد رموز الحداثة في العالم العربي في كتابه فن الشعر ص 76: "إن فن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي ليست تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية، وليست تلك التي تسايره في حياته الجادة، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة! أي تصدمه، وتخرجه من سباته، تفرغه من موروثه وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم. كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها، وذلك من أجل تهديمها كلها! أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد، يلزمنا تحطيم الموروث الثابت، فهنا يكمن العدو الأول للثورة والإنسان".

ولا يعني التمرد على ما هو سابق وشائع في مجتمعنا إلا التمرد على الإسلام وإباحة كل شيء باسم الحرية(*).

- فالحداثة إذن هي منهج(*) فكري عقدي يسعى لتغيير الحياة ورفض الواقع والردة عن الإسلام بمفهومه الشمولي والانسياق وراء الأهواء والنزعات الغامضة والتغريب المضلل.

وليس الإنسان المسلم في هذه الحياة في صراع وتحد مع الكون كما تقول كتابات أهل الحداثة وإنما هم الذي يتنصلون من مسئولية الكلمة عند الضرورة ويريدون وأد الشعر العربي ويسعون إلى القضاء على الأخلاق والسلوك باسم التجريد وتجاوز جميع ما هو قديم وقطع صلتهم به.

- ونستطيع أن نقرر أن الحداثيين فقدوا الانتماء لماضيهم وأصبحوا بلا هوية ولا شخصية. ويكفي هراء قول قائلهم حين عبر عن مكنونة نفسه بقوله:

لا الله اختار ولا الشيطان *** كلاهما جدار
كلاهما يغلق لي عيني *** هل أبدل الجدار بالجدار

تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

Shahd
06-18-2005, 11:21 PM
تطور مذهب الحداثة في الغرب وفي البلاد العربية:

● إن حركة الحداثة الأوروبية بدأت قبل قرن من الزمن في باريس بظهور الحركة البوهيمية فيها بين الفنانين في الأحياء الفقيرة.

- ونتيجة للمؤثرات الفكرية، والصراع السياسي والمذهبي والاجتماعي شهدت نهاية القرن التاسع عشر الميلادي في أوروبا اضمحلال العلاقات بين الطبقات، ووجود فوضى حضارية انعكست آثارها على النصوص الأدبية. وبلغت التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أوروبا ذروتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وبقيت باريس مركز تيار الحداثة الذي يمثل الفوضى الأدبية.

- وقد تبنت الحداثة كثيراً من المعتقدات والمذاهب الفلسفية والأدبية والنفسية أهمها :

1- الدادائية: وهي دعوة ظهرت عام 1916م، غالت في الشعور الفردي ومهاجمة المعتقدات، وطالبت بالعودة للبدائية والفوضى الفنية الاجتماعية.

2- السريالية: واعتمادها على التنويم المغناطيسي(*)، والأحلام الفرويدية، بحجة أن هذا هو الوعي الثوري للذات، ولهذا ترفض التحليل المنطقي، وتعتمد بدلاً عنه الهوس والعاطفة.

3- الرمزية: وما تتضمنه من ابتعاد عن الواقع والسباحة في عالم الخيال والأوهام، فضلاً عن التحرر من الأوزان الشعرية، واستخدام التعبيرات الغامضة والألفاظ الموحية برأي روادها.

- وقد واجهت الحداثة معارضة شديدة في كل أنحاء أوروبا، حتى في باريس مسقط رأسها، من المدافعين عن اللغة والتراث وممن ينيطون بالأدب مهمة التوصيل في إطار العقل والوعي الإنساني.

- وكثير من أدباء القرن العشرين لم يعترفوا بالحداثة ولا بما جاءت به من تجريد جمالي وثورة وعدم تواصل، وعدَّ كثير من المفكرين الغربيين الحداثة نزوة عابرة في تاريخ الفكر الغربي.

● والحداثة العربية هي حداثة غربية في كل جوانبها وأصولها وفروعها إلا أنها تسللت إلى العالم العربي دون غرابة، وذلك لأنها اتخذت صورة العصرية، والاتجاه التجديد (*) في الأدب، وارتباط مفهوم الحداثة في أذهان بعض المثقفين بحركة ما يسمى بالشعر الحر أو شعر التفعيلة.

- اصطلاح الحداثة بمفهومه الغربي، لم يقتحم الأدبي العربي إلا في فترة السبعينات بينما تسربت مضامينه منذ الثلاثينات من هذا القرن، وذلك في محاولات الخروج على علم العروض العربي، وفي الأربعينات ظهرت بعض ظواهر التمرد والثورة والرفض وتجريب بعض الاتجاهات الأدبية الغربية كالتعبيرية والرمزية والسريالية.

ثم ظهرت مجلة شعر التي رأس تحريرها في لبنان يوسف الخال عام 1957م وتوقفت عام 1964م للتمهيد لظهور حركة(*) الحداثة بصفتها حركة فكرية، لخدمة التغريب، وصرف العرب عن عقيدتهم ولغتهم الفصحى.. لغة القرآن الكريم.

وبدأت تجربتها خلف ستار تحديث الأدب، فاستخدمت مصطلح الحداثة عن طريق ترجمة شعر رواد الحداثة الغربيين أمثال: بودلير ورامبو ومالاراميه، وبدأ رئيس تحريرها – أي: مجلة شعر – بكشف ما تروج له الحداثة الغربية حين دعا إلى تطوير الإيقاع الشعري، وقال بأنه ليس للأوزان التقليدية أي قداسة ويجب أن يعتمد في القصيدة على وحدة التجربة والجو العاطفي العام لا على التتابع العقلي والتسلسل المنطقي كما أنه قرر في مجلته أن الحداثة موقف حديث في الله والإنسان والوجود.

● كان لعلي أحمد سعيد (أدونيس) دور مرسوم في حركة الحداثة وتمكينها على أساس ما دعاه من الثبات والتحول فقال: "لا يمكن أن تنهض الحياة العربية ويبدع الإنسان العربي إذا لم تتهدم البنية التقليدية السائدة في الفكر العربي والتخلص من المبنى الديني التقليدي الإتباعي". استخدم أدونيس مصطلح الحداثة الصريح ابتداءً من نهاية السبعينات عندما أصدر كتابه: صدمة الحداثة عام 1978م وفيه لا يعترف بالتحول إلا من خلال الحركات الثورية السياسية والمذهبية، وكل ما من شأنه أن يكون تمرداً على الدين(*) والنظام تجاوزاً للشريعة(*).

- لقد أسقط أدونيس مفهوم الحداثة على الشعر الجاهلي وشعراء الصعاليك وشعر عمرو بن أبي ربيعة، وأبي نواس وبشار بن برد وديك الجن الحمصي، كما أسقط مصطلح الحداثة على المواقف الإلحادية لدى ابن الرواندي وعلى الحركات الشعوبية(*) والباطنية(*) والإلحادية المعادية للإسلام أمثال: ثورة الزنج والقرامطة.

- ويعترف أدونيس بنقل الحداثة الغربية حين يقول في كتابه الثابت والمتحول: "لا نقدر أن نفصل بين الحداثة العربية والحداثة في العالم".

Shahd
06-21-2005, 08:22 PM
color=#000000][font=Simplified Arabi

الأكاديمي والمفكر المغربي محمد سبيلا لأقلام أون لاين:
الحداثة توتر خلاق وتجاوز مستمر للذات بإعادة صوغها ضمن تركيبة جديدة
العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005

من الإشكاليات التي شغلت المفكر العربي في العقود الأخيرة إشكالية الحداثة وما طرحته من تساؤلات علىالواقع العربي االراهن؛ ويعتبر الأكاديمي والمفكر المغربي محمد سبيلا من المفكرين العرب الذين أدلوا بدلوهم في النقاش الدائر حول أسئلة الحداثة؛ وساهم من خلال كتب ومقالات وترجمات في إغناء هذا النقاش في الساحة الفكرية المغربية على وجه الخصوص والعربية عموما؛ وقد كان لـ"أقلام أون لاين" معه هذا الحوار الذي أماط اللثام عن مجموعة من القضايا في محاولة لتقريب هموم المفكر للقارئ العربي.

أقلام أون لاين: محمد سبيلا أستاذ فلسفة، وينشغل بالحداثة كموضوعة من موضوعات الفلسفة. لماذا هذا الربط بين الفلسفة والحداثة؟

سبيلا: بالنسبة للفلسفة في الظاهر، يبدو وكأن المرء يمارس حرية اختيار، فيختار تخصصا معينا، ولكن عندما يتعمق في الأمر يجد أن التخصص هو الذي يختار. والفلسفة هي قدر فكري، ومخزون الحكمة البشرية، الذي يجتذب العقول ويدمجها في خزانه المعرفي والتساؤلي الضخم، فاختيار الفلسفة ليس اختيارا شخصيا فرديا لمادة معرفية، بقدر ما هو استجابة لحاجات عميقة في النفوس، تتمثل في زخم الأسئلة: السيكولوجيا، والميتافيزيقا، والطبيعة، والانتروبولوجيا، وغيرها.

وقد ربط فرويد الميل إلى الفلسفة بتجربة "صدمة الميلاد"، وقلق الطفولة وعقدها، حيث تداهم الطفل العديد من الأسئلة حول منحدره، وحول الخلق والولادة. وتزداد هذه التساؤلات عمقا مع احتداد علاقات الثالوث الأوديبي. لذلك نجد أن اختيار الفلسفة كاختيار فكري يضرب بجذوره في أعماق الكائن القلق المتسائل.

أما بالنسبة للحداثة فهي أيضا اختيار فكري غير عرضي، فالمرء الذي نشأ في مجتمع تقليدي، تداهمه الحداثة من كل صوب، وفوق ذلك نشأ في بيئة طبيعية، بدأت تغزوها بعض منتجات التقنية، يجد نفسه مدفوعا إلى التساؤل عن نوعية هذا الجديد، الذي ينضوي تحت لواء مفهوم الحداثة، فالآلات الجديدة، التي تخرق صمت الطبيعة، وتحدث صخبا اجتماعيا قويا، والأضواء الملونة الجذابة في الحواضر، والحركية الدؤوب للسيارات والآلات والبشر، بسرعة لم يألفها نظام الوجود التقليدي، أضف إلى ذاك تحولات القيم، ومعايير الحكم الأخلاقي والجمالي وغيرها.. كل تلك أمور تعصف بالأذهان، وتدوس على الطمأنينة واليقينيات والقناعات، التي يلقنها المجتمع التقليدي، والثقافة الموروثة لأفرادهما. فسؤال الحداثة هو سؤال الأسئلة، وهو السؤال عن الجدة والنوعية والتطور.






سبيلا: فعلا مفهوم الحداثة تداهمه الكثير من الالتباسات وسوء الفهم. الالتباس اللغوي عند نقله للعربية، والمتمثل في أن الحداثة تعني الطفولة والآنية، فحداثة الشيء هي آنيته وجدته، وطفولته وصغر سنه، ولذلك عندما يستعمل اللفظ في العربية فإنه يظل محملا بهذه النكهة اللغوية، التي لا يمكن التخلص منها، أو وضعها بين قوسين، إلا بعد الوعي بهذا المعنى وبحدوده وبمحدداته.

الالتباس الثاني لمفهوم الحداثة هو الالتباس الزمني، فالحداثة بهذا المعنى تؤخذ على أنها كل ما هو عصري، وحديث، وكل ما ينتمي إلى الزمن الحديث والمعاصر. ويرتبط بذلك إشكال تاريخي في الفصل بين الحديث والمعاصر، وكذا مسألة التحقيب والتصنيف، فعندما نقول الحداثة فإننا بالتأكيد نشير أولا إلى زمن وإلى عصر، وإلى الأزمنة الحديثة، ابتداء من القرن 15 ميلادي، حسب التصنيف المعمول به في كراسي التاريخ في الجامعات (العصور القديمة ـ العصور الوسطى ـ العصور الحديثة)، لكن التناول التاريخي الزمني يطمس التداخلات والتفاعلات المعتملة في جوف الحداثة نفسها، فمن حيث أن الحداثة صراع، فإن هذا الصراع والتفاعل ينطوي على الزمن نفسه، بين أزمنة قديمة عتيقة ما تزال حاضرة فيما هو آني وحديث، كما تتضمن إرهاصات لأزمنة قادمة تحمل بشائر المستقبل.

فالحداثة في عمقها من زاوية الزمان توتر حاد وقاتل بين جاذبيتين زمنيتين قويتين: بين ارتدادات الماضي، واشرئبابات المستقبل. الحداثة توتر خلاق، توتر زمني، يتجاوز ذاته باستمرار، لا عن طريق نفي ماضيه وأزمنته السحيقة، بل عن طريق صوغها، وإعادة عجنها، ضمن تركيبة جديدة يمثلها المستقبل، ولعل الحداثة لم تكن لتكون كذلك، ولم تكن لتسمى بهذا الاسم لو لم تتضمن تجاوزا وانشدادا إلى الآتي والمجهول، فدينامية الحداثة هي دينامية التحول والصراع بين النماذج المنحدرة من الماضي، والممثلة لقوة الماضي، والنماذج الجديدة، المتشكلة في الأفق، والتي تطرح رهانات قاتلة على كل الثقافات.

أما الالتباس الثالث فهو التباس فكري معرفي، أي تشكل وإعادة تشكل نظرة جديدة للعالم، وللأشياء، وللعلاقات، وللطبيعة، وللإنسان.. عمق الحداثة هو عمق فكري وفلسفي، بل ربما بتعبير هيدجر عمق ميتافيزيقي. إن للحداثة فيزياءها وميتافيزياءها، بمعنى أنها نظرة جديدة متجددة للعالم وللكون والأشياء، وهي من ثم ثورة معرفية وابستمولوجية قوية على كل الابستيمات وتصورات العالم السابقة عليها.

هذا المستوى الأخير للحداثة، الذي هو مستوى يتجاوز ويتخطى كثيرا المستويات الأخرى للحداثة، أي الحداثة التقنية والاقتصادية والسياسية، والحداثة الجمالية في سياق إعادة نظر كلية.. هذا المستوى الأخير الذي هو مستوى فلسفي لا يتوصل إليه العموم، ولا حتى النخب السياسية والتقنية والاقتصادية المرتبطة بالحداثة، بل تدركه وتخوض فيه الفئات الممتهنة للفكر: السوسيولوجيون والفلاسفة والشعراء الكبار والعقول العظيمة، لذلك فهو مستوى ليس في مكنة الجميع، بما في ذلك النخب الفاعلة في الحداثة ذاتها.


سبيلا: في مرحلة أولى من ظهور الحداثة، وبخاصة في مفصل التقاء وافتراق القرنين 17 و18 في أوروبا، أي في مرحلة الحداثة الظافرة المزهوة بنفسها، والمعجبة بذاتها وبالمثل التي تحملها وبالبشائر التي وعدت وتعد بها البشرية ازدهرت التيارات الفكرية التجريبية، والنزعات الوضعية (في السوسيولوجيا والنظريات العلمية، وحتى في مجال الفلسفة والابستومولوجيا) كتعبير عن هذا الطموح العقلي، وهذا الواقع الجديد خلق عقدا لدى الفلسفة ذاتها، فأصبحت تستهجن ذاتها بقدر ما يستهجنها العلم، وأصبحت الحقيقة العلمية هي الحقيقة، واتخذت الفلسفة صورة معرفة غير علمية، أو سابقة للعلم، وأصبح لفظ الفلسفة والميتافيزيقا سبة ونقيصة معرفية، هذه الأزمة يستشعرها كانط في مخاضه الفكري بين العلم والميتافيزيقا (الإيمان) واستفحل هذا الشعور لدى هيجل الذي حاول مجاوزته في نسقه الفلسفي، كما نجد صدى له لدى هوسرل الذي دعا إلى جعل الفلسفة بمثابة علم دقيق، بمعنى أن الفلسفة حتى لدى كبار الفلاسفة آنذاك كانت تستصغر ذاتها وتقتدي وتحتدي بالنموذج العلمي.سيتغير الأمر مع هيدجر الذي بين أنه ليس هناك علم خالص صافي كليا من الميتافيزيقا، فالعلم بما في ذلك العلم الفيزياء والرياضي يحمل في ثناياه رؤية للعالم يحمل تصورا للعالم تصورا تقنيا كميا أداتيا للعالم وبالتالي زالت بالتدريج صورة التعارض المطلق بين العلم والفلسفة وخبت تلك الصورة التنقيصية التي جعلت الفلسفة معرفة ناقصة. لقد استعادت الفلسفة والميتافيزيقا حيويتهما وبموازاة ذلك حدث تحول آخر،فنتيجة انتصار الاتجاهات الوضعية والعلمية كان ازدهار النزعات العقلانية الصارمة والنزعات المادية الفجة والوضعية المتشددة، لكن مع تطور العلوم الإنسانية وبخاصة علوم الاجتماع والأنتروبولوجيا تبين أن هذه العقلانية الخالصة هي مجرد يوتوبيا وأن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، إنه كائن الآفاق البعيدة ومن ثمة فليس البعد العقلي هو البعد الأساسي المحدد للإنسان، بل أن هناك أبعاد أخرى وعلى رأسها المتخيل والوجدان والمقدس … مما قاد إلى إعادة مراجعة الصورة العقلانية الصارمة و الخالصة التي كونتها الحداثة الظافرة عن الإنسان.

أقلام أون لاين: ارتبطت الحداثة بمقولات النهايات: موت الإله، موت الفلسفة، نهاية التاريخ، نهاية الإيديولوجيا، موت الإنسان، موت المؤلف والنص… ما سر هذا الارتباط بسيرة النهايات؟

د.سبيلا: يجب في تقديري استجماع صورة هذه النهايات باعتبارها نوعا من "الفكر الجنائزي" الذي يشير إلى تحولات نوعية. إنها تعبير بلاغي جميل عن سرعة التحول والانتقال في كل مستويات العصر الحديث، فموت المقدس الذي يشير إليه نيتشه والذي يضرب بجذوره حتى على مستوى المصطلح في فكر هيجل ويعود إلى مارتان لوثر رائد الثورة البروتستانتية في المسيحية، يشير إلى تحولات فكرية كبيرة حدثت على مستوى النخبة الغربية فكريا نحو المزيد من العدمية، وأفول للأصنام وللقدسية وارتماء في أحضان التاريخ الحي، إنها تعبير مجازي عن تضاؤل دور المقدس في التاريخ الحديث وبخاصة في تاريخ أوربا والغرب. موت الفلسفة هو أيضا صيغة بلاغية للتعبير عن الأزمة التي أشرت إليها سابقا، أزمة الفلسفة أمام نموذج معرفي جديد قوي وقاهر يمثله العلم. نهاية التاريخ هي صيغة بلاغية للتعبير عن هذا التحول المفصلي المتعلق بنهاية الإيديولوجيات الثورية، وانتصار الليبرالية كأفق وحيد ونهائي للتاريخ. أما مقولة موت الإنسان فترتبط بالبنيوية إذ أنها ازدهرت وشاعت مع ذروة تطور البنيوية كمنظور وأفق فكري يعطي الأولوية للبنيات والسيرورات الموضوعية والحتميات المختلفة على حساب الصبوات والطموحات والإرادات والذاتيات. موت المؤلف لا يخرج عن هذا السياق، فهو يعكس روحا بنيوية على مستوى النص، أي أن الآليات النصية اللسانية هي الفاعل الأساسي في النص. الخلاصة أن هذه البلاغة الجنائزية المتعلقة بالموت وبالنهايات لا تخرج عن إطارين: إطار التحولات النوعية المفصلية السريعة التي تخص وتيرة تطور الحداثة، وتعكس الأزمة الدورية والتحول الدوري المستمر، كما تعكس فكرة أساسية تجمع بين كل هذه النهايات والمصوتات وهي غياب الفاعل المفرط أو غياب الفاعل المطلق وسيادة السيرورات والصيرورات

أقلام أون لاين: هل علاقة الحداثة بالتقنية علاقة تقاطع زمني باعتبار ارتباط الحداثة بالعصر الصناعي والتكنولوجي، أم هي علاقة كيفية تحديد ماهية كل منهما الأخرى؟

د.سبيلا: عادة ما ترد لفظتا الحداثة والتقنية كمترادفين، حيث يشار إلى الحداثة بالتقنية وإلى التقنية بالحداثة، وكأنهما متماثلان ومتعادلان كليا، صحيح أن التقنية هي إحدى المكونات والديناميات الأساسية للحداثة لدرجة أن فيلسوفا كهيدجر عندما يتحدث عن الحداثة فإنه يركز بالدرجة الأولى على التقنية إلا أنه لا يأخذ التقنية هنا على أنها مجموع التقنيات والآلات والأدوات والاختراعات التقنية التي تملأ فضاء العالم الحديث وتنتشر فيه انتشار النار في الهشيم من صواريخ وكمبيوترات وأقمار صناعية وهواتف نقالة وغير ذلك من التقنيات التي تدوخ العالم وتقلص مسافاته، لكنه يعني بالتقنية أيضا روح التقنية أي الموقف التقني من العالم. والموقف التقني هو موقف أداتي حسابي نفعي تصنيفي وتحكمي، وليس موقف تأمل وانبهار وانشداه وانتظار. فإذا صح القول بأن التقنية هي جوهر الحداثة، فإن المضمون الدقيق لذلك هو أن ليس ما يميز العصر الحديث هو انتشار التقنيات بل هو استشراء روح التقنية كاستعمال وتحكم. وهذا التصور يقلب العلاقة كليا بين العلم والتقنية. فإذا كان التصور الكلاسيكي يرى أن التقنية هي مجرد تطبيق أو تطبيقات للعلم، فإن الموقف الجديد يرى أن العلم تابع للتقنية ووليد لها.

ولا بد من التعريج هنا على التباس هذه العلاقة في العالم العربي ـ الإسلامي، فهذا العالم نتيجة التفاوت العميق في التطور الذي يحس به مقابل ثقافات أو حضارات أخرى فإنه يطور موقفا ملتبسا من الحداثة قوامه أن استدراك الحداثة يتم عن طريق اللحاق بالتطور التقني وامتلاكه: التقنيات الحربية، تقنيات الإنتاج الاقتصادي وغير ذلك، لكن رواد الثقافة التقليدية الإسلامية يجهلون أو يتجاهلون أن وراء التقنية روحا تقنية أي ثقافة تقنية وعقلانية حديثة، أن لم يتم إدراكها وتملكها فسيظل المرء يلهث وراء التقنيات لقرون قادمة دون أن يلحقها ويتملكها نهائيا وكأنه يجري وراء السراب.

أقلام أون لاين: قلتم "إن المعرفة الحداثية… غايتها السيطرة على الإنسان والطبيعة" كيف تكون الحداثة أداة سلطوية قمعية ماديا ومعنويا؟ ألا تجعل هذه الحداثة من الإنسان مجرد رقم ونكرة يخضع للعبة السوق والتكميم الاقتصادي؟ ويخضع لمنطق الآلة؟ ويخضع لهيمنة النظم القانونية والسياسية؟ مثلما يخضع للنظم الإليكترونية والمعلومية؟ ألا يعد ذلك سحبا للبساط من تحت هذا الإنسان الذي نهضت الثورات عبر التاريخ من أجله، ومن ثم ننتقل من جعل الإنسان غاية إلى جعله مع الحداثة مفعولا لغايات مختلفة ومتباعدة وبلا وجهة أحيانا؟

د.سبيلا: هناك تنازع دائم بين القيم والوقائع، بين الغايات والسيرورات. ولعل من سوء الحظ أن ديناميكا الحداثة في عمقها وفي ثناياها الأصلية هي ديناميكا التفاعل والآلية والتحكم بعيدا عن أية غايات باستثناء غاية السيطرة والتحكم في الظواهر الطبيعية وفي الإنسان، ولا تبتغي أية غاية أخلاقية، فدينامية الحداثة في عمقها دينامية محايدة أخلاقيا فقط توجيهها إذا كان ممكنا وتطعيمها بشحنات أخلاقية ومعنوية بما يكيفها قليلا مع أهدافها التحكمية. وقد سبق للفلاسفة في بدايات العصر الحديث أن انتبهوا إلى هذه الخاصية فبينوا أن العلم قوة، وأن المعرفة قدرة فلا معنى لمعرفة اعتباطية مسالمة، لا تقود إلى امتلاك القدرة، ربما كانت المعرفة التأملية هي وحدها المعرفة غير المتورطة في الفعل وبالتالي تظل خارج دائرة القوة وخارج دائرة علاقات القوة، وهذا الارتباط العضوي العميق بين المعرفة والقوة هو ما يشكل جوهر قوة الغرب الحديث.

أقلام أون لاين: كيف يستقيم الحديث عن تقنية وأداتيه صارمة وفي الآن نفسه عن الحرية والفردانية والذاتية؟ أليس هناك تناقض في بنية هذه الحداثة؟

د.سبيلا: فعلا لقد أشرت إلى إحدى مفارقات الحداثة الكبرى، ولكنها مفارقة غير مفتعلة، فالحتمية والأداتية هما نتاج للنظرة الموضوعية للعالم وللظواهر، أي كما هي في ذاتها، في علاقاتها الكمية والرياضية، فالقانون الأساسي الذي يحكم العالم المادي هو قانون الحتمية وقانون النسب والعلاقات، والعلم كشف عن هذه الحتمية سواء على مستوى الطبيعة أو التاريخ أو في مجال الإنسان نفسه. فالنظرة العلمية هي اكتشاف لهذه الحتميات ولتعالقاتها وترابطاتها بهدف استخدام هذه المعرفة كأداة للتحكم في الطبيعة وفي الإنسان نفسه. فليست الحتمية شيئا يضفيه الإنسان على الطبيعة بل هي علاقة من صلبها وصميمها. أما على الجانب الآخر فمثلما ارتكز العلم على موضعة الطبيعة واكتشاف حتمياتها، فقد تم النظر إلى الإنسان باعتباره حرية وذاتية وفردانية ووعيا، لقد أصبح الإنسان في التصور الفكري الغربي الحديث، كائنا يتسم بالحرية، بحرية الاختيار وحرية الفعل أمام شبكات الحتميات المختلفة، كما أصبح ذاتا فاعلة مسؤولة وفردانية متميزة عن الجموع. يمكن القول أن البنية الفكرية الأساسية للحداثة هي هذه الثنائية المركزية المتمثلة في الذات والموضوع، الذات كحرية وفعل وإرادة ومعيار، والموضوع كشبكة من المعطيات والحتميات الملزمة.

أقلام أون لاين: ذكرتم قولا لبودلير "الحداثة هي ما هو عابر وعارض وهي فرار"، وهي عند هيدجر عدمية، وفراغ يتم ملؤه بالأساطير المغذية للسيكولوجيا، وبالإيديولوجيا واليوتوبيا واصطناع بطولات وأبطال في السياسة والرياضة والفن؟ لماذا هذا الغياب للغائية والمعنى في الفعل الحداثي؟

د.سبيلا: بالنسبة لقولة بودلير، كشاعر استشعر ماهية الحداثة من حيث هي تعبير عما هو عابر وسديمي وسرابي، من حيث أن جوهر الحداثة هو التحول والتجدد والتخطي المستمر. أن ما يوحي بهذه الصورة السرابية هو عنف التحول ورسوخه، فزمن الحداثة مرتبط بالانتقال المستمر والسريع، بالتخلي المستمر عما سبق والانتظار القوي لما يلحق، ومن ثمة ارتباط الحداثة بمفهوم الثورة والأزمة باعتبارها نقطة تحول نوعي من مرحلة إلى أخرى. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الحداثة لا ترتكز على أي شيء غير ذاتها، فليس لديها عصر ذهبي أو نموذج مثالي ومعياري تحتذيه بل هي لهاث مستمر وراء الجديد وانشداد قوي إلى المستقبل المجهول وهو ما يجعلها ترتكز فقط على نفسها أي على التحول. هذه الملاحظة الذكية التي قدمها بودلير هي التي طورها بعض الفلاسفة والسوسيولوجيون المعاصرون بوصفهم المجتمع المعاصر بأنه مجتمع ، العابر أو التافه أو السرابي، مثلما وصفه آخرون بأنه مجتمع الفراغ الذي يتكرر باستمرار بحثا عن الذي يأتي ولا يأتي. أما هيدجر فهو يقوم بتشخيص فلسفي للحداثة من الزاوية الميتافيزيقية مبينا أنها تتضمن التخلي عن الكثير من الأسس التي كانت تسند المجتمع التقليدي والثقافة التقليدية مبرزا الجانب العدمي في الحياة المعاصرة، هذا الجانب الذي يولد باستمرار الحاجة إلى التشبه بمثل تاريخية بديلة وبأساطير وبأصنام تملئ فراغ المعنى وغياب الغاية الملازمين للحداثة. ومن هذه الزاوية يعتبر هيدجر أحد نقاد المجتمع الغربي التكنولوجي المعاصر، بل أن أشكال النقد السوسيولوجي والفلسفي التي يمارسها رواد مدرسة فرانكفورت تجد في كتابات هيدجر موردا ثريا، ويجب أن نفهم هذا الحديث عن غياب المعنى واستشراء العدمية لا من حيث هو دعوة بل من حيث هو تسجيل واقع ودفع للتفكير في اتجاه تشخيص الجانب الميتافيزيقي السلبي في المجتمع الحديث وذلك في خط الثقافة النقدية الألمانية التي هي استمرار ومواصلة للنقد الرومانسي والمسيحي للحداثة.

أقلام أون لاين: علاقة الحداثة بما يسمى "ما بعد الحداثة"، هل هي تكملة أم انفصال؟

د.سبيلا : أنا أميل للقول بأن ما بعد الحداثة مصطلح خصوصي ومضلل، خصوصي لأنه يشير إلى تحولات فكرية وجمالية وقعت في الغرب المعاصر حيث ظهرت أولا في مجال المعمار ثم بدأت تنتشر في كل ربوع الثقافة الغربية الحديثة، فهذا المصطلح إذن يوازي مصطلحات أخرى مماثلة مثل "ما بعد المجتمع الصناعي"، "ما بعد المجتمع التكنولوجي" إلى غير ذلك من المصطلحات. فهو إذن مصطلح يؤشر إلى تحولات شهدها المجتمع الغربي والفكر الغربي ابتداء من منتصف القرن العشرين وبخاصة التحولات التكنولوجية المرتبطة بالثورة الصناعية الثالثة المتمثلة في الانتقال نحو مجتمع المعلوميات والإعلام ومع التحولات الحديثة في العلم كالنزول على سطح القمر واكتشاف الكواكب البعيدة، ولا نهائية الكون، واستكشاف سر كتاب الحياة أو الجينوم البشري، والاستنساخ وزرع الأعضاء وغير ذلك من التحولات التكنولوجية والعلمية النوعية التي لا ندرك نحن إلا وجهها البارز المتمثل في العولمة. أما من الزاوية الفكرية فتيار ما بعد الحداثة (وأنا أفضل تسميته الحداثة البعدية) لأن المصطلح الأول مضلل يوحي بالنهاية والتجاوز، قلت أنه يمثل مجموع الانتقادات التي وجهت إلى الحداثة كبنية فكرية وكنظام فكري مغلق، فتيار الحداثة البعدية ينتقد البنية الفكرية المغلقة للحداثة وارتكازها على العقل وتمجيدها المطلق للإنسان، وتصنيمها للتاريخ وللحتمية التاريخية وإنكارها للمتخيل والرمزي، فتيار الحداثة البعدية يمثل نقدا لأساطير الحداثة (الأساطير هنا بالمعنى الإيجابي) المتمثلة في العقلانية والتقدم والتطور وفاعلية الإنسان وغير ذلك من أقانيم الحداثة. ومن هذه الزاوية فإن تيارات الحداثة البعدية هي استمرار لمنطق الحداثة وتعميق لمنظورها، ومن ثمة فهي محملة بشحنة لاأدرية وعدمية أكبر. أن تيارات الحداثة البعدية استمرار وتعميق للحداثة، أي لحداثة بدون مساحيق. هذا في حين أن الكثير من الناس ومن المثقفين والصحافيين في عالمنا العربي ـ الإسلامي يأخذون مفهوم ما بعد الحداثة مركزين بالدرجة الأولى على حرف : " ما " وكأن ما بعد الحداثة تخلي كامل عن الحداثة ودخول في مرحلة أخرى وفي نظام آخر وهذا الأمر غير صحيح ولا دقيق. الأمر لا يتعلق بانفصال كلي وطلاق مطلق بل فقط تحول وسرعة أخرى للحداثة.

أقلام أون لاين: ذكرتم مصطلحي حداثي وتحديث. هل التحديث مقدمة للحداثة أم الحداثة منتجة وفاعلة للتحديث؟ وإلى أي حد يمكن أن نتحدث عن تحديث في العالم العربي الإسلامي؟

د.سبيلا: التحديث هو الشكل الإجرائي العملي الملموس للحداثة كصورة فكرية مجردة لا تتحدد إلا كعمليات إجرائية قطاعية في هذا الميدان أو ذاك. لعل الانتقال من الحداثة إلى التحديث هو انتقال من الفلسفة إلى السوسيولوجية، أي من الفكرة إلى الإجراء العملي المجسد لها. وهذه العلاقة الرفيعة بين الحداثة والتحديث نجد بذورها الأولى لدى سوسيولوجي فيلسوف هو ماكس فيبر الذي تحدث عن الحداثة والتحديث في نفس الوقت. تحدث عن الحداثة كرؤية جديدة للعالم قوامها العقلنة، وبخاصة منها عقلنة رؤى العالم أي العقلنة الثقافية والفكرية، والعقلنات الجزئية المجسدة لها والمتمثلة أساسا للعقلنة الاقتصادية والعقلنة الإدارية… ولعل هذا الارتباط يسَّر عملية الانتقال الفكري من الحداثة إلى التحديث في مرحلة أولى، ثم من التحديث إلى التنمية في لحظة لاحقة. فنظرية التنمية التي تطورت في السوسيولوجية وبخاصة الأنجلوساكسونية إلى نظرية في التنمية، إنها نظريات تضرب بجذورها في هذا الأفق الفكري الذي يمثله ماكس فيبر.

أما فيما يخص مسألة التحديث في العالم العربي الإسلامي فهناك أجوبة متعددة، أكتفي وأقتصر في ذكرها على إيراد جواب ماكس فيبر نفسه عندما يطرح السؤال الكبير التالي: ما هي أسباب وكيفيات ظهور الحداثة في الغرب وإخفاقها في فضاءات ثقافية وحضارية أخرى كالشرق الأقصى والعالم العربي الإسلامي؟ نحن نعرف جواب ماكس فيبر هو أن هذا الحدث الفريد حصل في الغرب دون غيره لأنه هو الفضاء الثقافي والاجتماعي الوحيد الذي تبلورت فيه عملية العقلنة، والتي هي بالنسبة لماكس فيبر جوهر عملية التحديث. ونحن نعرف أيضا أن ماكس فيبر يميز بين ثلاث مستويات للعقلنة: 1 – العقلنة التقنية والاقتصادية ـ 2 ـ العقلنة الإدارية والسياسية ـ 3 ـ العقلنة الثقافية والفكرية. لن نخوض في جدل عقيم حول أولوية هذا العنصر أو ذاك، لكن من المؤكد أن هناك تساوقا وتوازيا وتداخلا بين هذه المستويات للعقلنة وكأنها بنية كلية متداخلة رغم التفاوت الذي يمكن حدوثه بين عناصرها. فيبر طرح سؤاله القاتل هذا لماذا تقدم الغرب على باقي المجتمعات في الربع الأول من القرن العشرين. أما المسلمون فقد طرحوا هذا السؤال متأخرين من قبيل أسئلة شكيب أرسلان و أبو الحسن الندوي حول أسباب تقدم الغرب وتخلف المسلمين، وكانت الخلاصة التي انتهوا إليها هي أن المسلمين تخلوا عن تراثهم الديني وانفصلوا عن قيمهم بدرجات متفاوتة، فتخلفوا عن ركب الحضارة.. وما يزال هذا الجواب متداولا إلى اليوم.

أقلام أون لاين: أي ارتباط بين الحداثة كمفهوم ملتبس يجمع المعرفي والاقتصادي والتقني بالسلوك الحداثي أو ما يسمى "بالسلوك الحضاري"؟

د.سبيلا: هذا السؤال يحيل على مستوى من مستويات الحداثة أو التحديث وهو مستوى السلوك الشخصي. إذا كان جوهر الحداثة كما يبين ذلك السوسيولوجيون هو العقلنة أي تكييف الوسائل مع الأهداف أو ما يسمى بالعقلنة الأداتية فإن الحداثة كمنظومة فكرية تعني على المستوى السياسي عقلنة السلطة والفصل بين مكوناتها وإخضاعها للمراقبة وإقامتها على أساس تمثيلية الشعب وهي كذلك على المستوى السلوكي والأخلاقي تعني اكتساب ثقافة سلوكية حديثة تقوم على الاعتراف بحق الآخر في الوجود وبحقه في الحياة وحقه في أن يكون مختلفا عني وأن يدافع عن حقوقه.فالحداثة السلوكية تعني قدسية الفرد وحريته وتحصن كل حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية … أن الحداثة السلوكية إذن تختلف عن التصور القطيعي الذي يذيب الفرد مطلقا في الجماعة. هذا البعد من الحداثة أي بعد الثقافة الشخصية هو أعمق أبعاد الحداثة وأكثرها عسرا على الاكتساب، لذلك نرى أن الكثير من الأحزاب الحداثية والجمعيات الحداثية والمؤسسات السياسية الحداثية ما تزال تعاني من النزعات التسلطية للأفراد أي من أفراد ما تزال ثقافتهم إقطاعية تنكر الآخر وحقوقه وتعتبر نفسها جزءا عضويا ممثلا للجماعة.

أقلام أون لاين: علاقة الحداثة كفضاء مركب، بالثقافة في بعدها الانتروبولوجي، بما يحققه هذا البعد من خصوصيات قومية وجغرافية ودينية…؟

د.سبيلا: الحداثة كنزعة كونية تصطدم بالخصوصيات الثقافية، أو بعبارة أخرى فإن نرجسية الحداثة تصطدم بنرجسية الخصوصيات، وخاصة عندما تنتشر الحداثة عبر وسائل القوة التكنولوجية والعسكرية. فالكثير من الخلط يقع عندما تحاول شعوب وثقافة معينة أن "تقذف الرضيع مع ماء الحمام" كما يقال فترفض الحداثة لأنها أتت مع المستعمر فهذه الثقافات والمجتمعات مدعوة إلى أن تميز بين النواة الصلبة للحداثة كعقلانية وحرية، وبين استعمال الحداثة من طرف ملاكها الأوائل للسيطرة على الشعوب الأخرى ونهب ثرواتها وخيراتها وتدمير ثقافاتها.

[/font][/color]

Shahd
06-21-2005, 08:27 PM
[font=Simplified Arabi

قراءة في تجليات الحداثة العربية الأولى

عادة ما يرتبط مفهوم (الحداثة) بالمنجز الحضاري الأوروبي، وبتجلياته المختلفة التي شملت العلوم والمعارف، وطريقة التفكير والحياة المعاشة والسلوك اليومي، فهل ينطبق هذا المفهوم على المنجز الحضاري العربي؟ وهل نستطيع اجراء مقايسة تشتمل على مطابقة لخصوصية التجربة الحداثوية العربية، بالمقارنة مع تجربة الحداثة الاوروبية، او الغربية تحديداً؟
ان الحديث عن تجربة عربية يجعلنا مشدودين الى تماهي حداثي مع ما أنتجه الغرب ابتداء من تغيير عقلية تفكيرنا، الى البيت الذي نسكنه وانتهاء قصيدة ما بعد الحداثة.
هذا التحوّل خلق حالة انقسام في المجتمع، وفرز بين انصار القديم وانصار الجديد، وهذا ما نجده عند كل الامم والشعوب فهل ينطبق مثل هذا الفرز على أدبنا العربي في عصورة القديمة؟ وهل هناك حداثة دون تغريب؟
بلور الشعر، من خلال بودلير ومالارميه، وتجربتهما الخاصة، مفهوماً شديد الخصوصية للحداثة، لانها عندهما مغامرة لا تقف عند حدّ في سلخ اللغة من قديمها، وتحميلها بالجديد الدائم في المفردة والبناء، كما أطلقا للخيال حريته ليلاحق الصورة الهاربة والمتوالدة من مركز الجملة الشعرية، لامن خارجها الجمالي.
وبذلك امتلأت القصيدة بالحيوي واليومي والمعاشي، في اطار علاقات لغوية متفجرة من جدة لغوية حارة وطازجة، ومسرجة للمتخيل قدرة هائلة على توليد وابتكار الجديد، متخلياً عن لغة البلاغة الانشائية المتوارثة ـ وعلى نسقهما (بودلير ـ مالارمينه) سار مبدعو الحداثة في مغامرتهم الى عصرنا هذا.
وشعرنا العربي، منذ أقدم النصوص المعروفة يتصدر دائماً، مواقع الجديد والاستكشاف وتركيبة النص.. وعلى ذلك فان ناقداً ودارساً للشعر العربي كأدونيس مثلا يجد مظاهر الحداثة في ادبنا العربي تعود الى القرن السابع الميلادي، وقد تجلَّت هذه الحداثة بين القديم السلفي، والجديد المعاصر لزمانه وقد أخذ شكل هذه الحداثة صراعاً عنيفاً مسّ بنية المجتمع العربي للدخول به الى المجتمع المدني، وقد تمثل ذلك بالخوارج وثورات الزنج والقرامطة، والحركات الثورية المتطرفة..
وفي منحى آخر تمثل في اشكال ثقافية متعدّدة كالاعتزال والعقلانية والالحادية، وبعض مذاهب المتصوفة، ان جاز لنا تصنيفها في الحداثة.
واما في تيار الابداع فقد تجلت الحداثة في اروع صورها، عند بشار بن برد ووالية بن الحباب، وابي نواس، وغيرهم من روّاد التجديد والحداثة، الذين ساهموا الى حدّ كبير في ربط الشعر بالحياة اليومية والى الخلق، بعيداً عن المثال، خارج القديم الموروث. انظر كتابيه (الثابت والمتحول ـ صدمة الحداثة).
لم تبدأ الحداثة في الخمسينيات مع حركة التجديد في الشعر، غير ان الصراع حول الحداثة ظل متواتراً مع هذا التجديد، لان الشعر هو ديوان العرب، له قواعد مضبوطة تمسّ المقدّس، لذلك اعتبر المساس بهذه القواعد انتهاكا للمقدس، واستدعى النيل من الشكل الشعري معارك عنيفة، وصلت ذروتها زمن (الحداثة العباسية).
ولم تكن هذه الحداثة الا نتيجة تحوّل فكري جذري اصاب بنية التفكير العربي في نقاط معينة، عبر التاريخ الادبي والفكري، الذي يمتد مئات السنين، وكان ذلك بسبب الاحتكاك بالاقوام الاخرى واستيعاب ثقافتها ومشاركة هذه الاقوام بالحياة اليومية وانقطاعها عن جذور الثقافة العربية.
الحداثة العباسية، كانت تأكيدا على الحرية واعلاء لدور العقل، وعلى ذلك فقد دارت حول الصراع بين الحضارة (الحياتي واليومي المعاش) والبداوة (السلفي المنقطع عن حاضره). كما دار الصراع بين العقل والنقل. انها انتقال من القبول الى التساؤل، كما بيّن ادونيس ذلك في مقدمته للجزء الثاني من (ديوان الشعر العربي).
هذا الصراع تابعة المفكرون القدماء بعنف وقوّة لابراز تجلياته ومعالجة قضاياه المعاصرة آنئذ، فقد مثلث الحداثة لهم قطيعة مع الماضي وتمسكاً بحاضرهم، انها المروق من «الزاوية الضيقة للمألوف وصولاً الى غير المألوف، من المعروف المتداول المكرور والممل الى الجديد والمبتكر.. (المبدع)».
واذا عدنا قليلاً الى مطلع العصر الاموي سنتوقف عند قول لابي عمرو بن العلاء الراوية الذي كان يعجب بفنية شعر المحدثين، لكنه كان يحجم عن روايته حفاظاً على قدسية القديم ثم صار هذا المحدث يدخل في قدسية القديم، وهكذا تتابع الحداثة رسالتها. يقول أبو عمرو بن العلاء: «لقد حسن هذا المولد حتى هممت بتدوينه» (العمدة ـ ابن رشيق).
وكان يقصد بذلك شعر جرير والفرزدق. ومعظم رواة الشعر كالأصمعي وابن الأعرابي سلكوا مسلك أبي عمرو بن العلاء في عدم تدوينهم لشعر أبناء عصرهم، لا لشيء إلا لأنه معاصر لهم ويعرفون قائله، رغم اعجابهم به، وهذا ما حصل مع اسحق الموصلي، وابن الاعرابي وأبي نواس وغيرهم كثير، لأن دراسة النحو العربي ارتبطت بالشعر حرصاً على لغة الاحتجاج، فكان لابد من الوقوف في وجه أي محاولة لزعزعة البنيان اللغوي بسبب قداسة النص الذي تحدث بها.
وها هو أبو عمرو بن العلاء يحدّد خطورة ذلك بقوله: «اللسان الذي نزل به القرآن، وتكلّمت به العرب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عربية أخرى غير كلامنا هذا». وقد أثّر مثل هذا الكلام على حركة الحداثة في الشعر، لأن أصحابه كانوا مكتوفي الأيدي أمام شعر الاحتجاج.
ورفض شعر المحدثين جملة وتفصيلاً من قبل رواة الشعر، ولم يحتج به أبداً، وربّما كان ذلك دافعاً قويّاً للمحدثين كي يدعموا نفوذهم داخل ظاهرة الحداثة السائدة، إلا فيما كان يخصّ مخاطبة السلطة السياسية وسلطة اللغة ولم يمنع بعض النقاد القدماء من رواية بعض شعر المحدثين، مغامرة منهم لاستحسانهم لهذا الشعر، وها هو المبرد يحترز بقوله بعد ذكر الشاعر:
«وإن لم يكن بحجّة ولكنه أجاد فذكرنا شعره هذا لجودته، «لا للاحتجاج به» (الكامل). «إن حركة الزمن هي التي تعطي للحداثة استمراريتها وطبيعة التقلّبات التي مرّت على المجتمع العربي بعد الإسلام غيرت في مجمل الذوق العام، من البداوة إلى تلمّس الحضارة والانصهار بها، وأنعكس ذلك على اللغة والأدب، وأصبح الشعر يميل إلى الصفاء والسهولة والعذوبة، وجعل واحداً مثل أبي نواس يردّ على نقاد عصره بقوله:
«لاتبك ليلى ولا تطرب إلى هند
واشرب على الورد من حمراء كالورد
بل اننا نستطيع ان نصنّف الشعر إلى شعر مديني، يميل إلى السلاسة والرشاقة ويدور في فلكه شعر المدينة ومكة والطائف واليمامة والبحرين، ومدن العراق فيما بعد، وشعر البادية الذي كان يميل إلى الجزالة والوعورة والغريب الوحشي.. وعلى هذا فقد كان لكل شاعر معجمه اللفظي الذي يقتات به، فإذا ما خرج من القصر، قال:
ياقوم أذني لبعض الحيّ عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحياناً
وقد أدرك شعراء الحداثة الأولى أهمية البعد المكاني فراحوا يعبّرون عمّا يحيط بهم من وسائل الحضارة فتناولوا في شعرهم صفات الخمر والقيان، والأباريق والكؤوس وباقات الزهر، ووصفوا المرأة بشكل حسّي فاضح، ولم يتركوا شيئاً فيها إلا وتناولوه بوصف جمالي ينمّ عن ذوق حضاري متفتح، كذلك وصفوا جماليات المكان التي تتجلّى في الرياض والقصور والبرك، كما نفروا من وصف الإبل وحياة البادية والقفار وحمر الوحش والوعول والظلمان والبقر لرغبتهم عنها.
وعدم معرفتها، لقد كانت هذه الظواهر نتاج مناخ معين فرضته طبيعة الزمان والمكان لينعكس على اللغة والأدب ويمثّل حداثة المكان وألفته والانصهار فيه وعدم النفور منه او الغربة عنه.. ويمكن تتبّع تجليات الحداثة في شعر كثير من شعراء ذلك العصر، كما عند ابن المعتزّ وابن الرومي، وبشّار، وأبي نواس، والعباسي بن الأحنف، وما حداثة أبي تمّام بخافية على أحد، لأنه جاء بخلاف ما كانت عليه العرب.
استطاع شعراء الحداثة الأولى اذن ان يعيشوا التطور الحضاري الذي أحاط بهم آنذاك واستوعبوا هذا التطور في شعرهم، بل انهم طوّعوا أدواتهم التعبيرية لتشتمل على كل مضمون مستحدث لاشباع حاجة العصر الجمالية والفنية، كما أنهم طوّعوا لغتهم لهذا المستحدث، وخفّت أوزانهم، ورقّت ألفاظهم، لتكون النقلة الحضارية الأولى .
إلى المجتمع المدني السائد، مما سينعكس على القوانين والعقل وحريّة الفرد وحقوقه المدنية، وهذه الاستطاعة التي تجلّت في الشعر، ساهمت إلى حدّ كبير في حريّة التعبير واتاحته إلى نقلة جديدة، يعيشها الإنسان العربي آنذاك بإنسانيته وحريته، وتجلّت هذه الحداثة في كافة وسائل التعبير، لتكون رابطة تقود إلى الحداثة الثانية التي قادها، جبران والريحاني والسياب ونازك الملائكة.




[/font]

Shahd
06-21-2005, 08:30 PM
الاستفادة من هذه العلوم جميعها لجلاء التحديات الفكرية والثقافية والحضارية التي يتجنبها عموما حتى الخبراء المفترضين في هذا القطب او ذاك مما اسميه "تاريخ الزمن الراهن". فاذا كان الخلاف بين ما يسمى عموما "الاسلام" و"الغرب" واضح المعالم في الخطاب القرآني، فان الحروب القاسية والمتكررة ابتداء من 1945 قد الهبت المشاعر وغذت الاحقاد الدفينة ونبذ الآخر على قاعدة المعطيات اللاهوتية الاسلامية واليهودية والمسيحية والتي شكلت منذ القرون الوسطى انظمة فكرية و"روحية" واخلاقية وقضائية عملت على هذا العزل المتبادل.
ان هذه الانظمة التي شيدتها كل طائفة من الطوائف كي تدعي انها المختارة من الله والمؤتمنة الحصرية على الحقيقة المنزلة ما زالت تستخدم حتى اليوم كمرجعيات لتشريع "الحروب العادلة" المتواترة منذ 1945، حرب التحرير الجزائرية (1954-1962)، حملة السويس (1956)، حرب الايام الستة (1967)، حرب الغفران (1973)، حرب الخليج (1990)، الحرب على الارهاب... تجدر الملاحظة ان الاطراف المتواجهة في هذه الحروب ترتبط بموروث ديني وثقافي ورمزي مشترك للحيز المتوسطي المنقسم منذ بزوغ الاسلام بين ضفة "يهودية ـ مسيحية" ومن ثم حديثة علمانية وضفة عربية ـ تركية ـ ايرانية مسلمة.
تعكس كتب التأريخ الآليات التي شيدت بواسطتها الذاكرات الجماعية المتمترسة خلف قلاع "اسطورية ـ تاريخية" تتغذى على الدوام من موضوعات جدلية تقوم على ضرورة الانتصار للخير والحق في وجه الشر والضلال. ويؤدي القاموس المستخدم من قبل اوروبا ـ الغرب "الحديثة" الى اعادة احياء التصورات والدلالات من القرون الوسطى بالرغم من استنادها القوي الى التعبيرات القويمة عن القيم "الغربية" الديموقراطية والعلمانية والانسانية والانسانوية...
كيف العيش مع الاسلام؟ لا بد من اجل الاجابة على هذا السؤال التمييز بين مفهوم الغرب الجيوسياسي والجيواقتصادي والنقدي ومفهوم اوروبا الجيوتاريخي والجيوثقافي: فالاول بدأ يترسخ منذ 1945 تحت القيادة المتجلية للولايات المتحدة خصوصا في المنطقة المسماة الشرق الاوسط في القاموس الانكلو ـ اميركي. أما الثاني، المتضامن مع الاول، فان له مع الاسلام مراجع مشتركة تاريخية وفكرية وثقافية تعود الى العصر الوسيط الاول. وغالبا ما تستحضر هذه القواسم المشتركة سواء على مستوى العلاقات الثنائية بين الدول القومية ام على مستوى الاتحاد الاوروبي بمناسبة الحوار الاوروبي ـ المتوسطي الذي اطلق في برشلونه عام 1995. تضاف الى ذلك علاقات الجوار الجغرافي القديمة بين اوروبا المتوسطية والعالم العربي ـ التركي على ضفاف ما كان يسميه الاوروبيون Mare Nostrum (بحرنا). اذا اخذنا في الاعتبار ايضا موجة الهجرة حول المتوسط يمكن عندها ان ندرك بشكل افضل حاجة الاتحاد الاوروبي الملحة لتجاوز مرحلة المبادلات غير المتكافئة وغير المنتظمة والتي يعاد التفاوض حولها باستمرار مع دول قليلة الحرص على الشرعية الديموقراطية، وذلك من اجل بناء تاريخ من التضامن بين الشعوب يقوم على الاحترام الدقيق من قبل جميع الاطراف لهذه "القيم" التي يلوح بها على انها تمثل الرهان الاكبر للحروب القائمة منذ العام 1945.
يفترض هذا التضامن الخاضع لاصول التفاوض والحماية من قبل الدول والشعوب التي تمثلها، اطلاق ديبلوماسية وقائية مكرسة، وخارج اوقات الازمات الحادة، لارساء سياسة مشتركة في مجالات البحث في علوم الانسان والمجتمع. كما يفترض تعميم نتائج هذه الابحاث سواء عبر الاعلام ام من خلال جذع تعليمي مشترك لتدريس الاختصاصات الرئيسية القادرة على تقديم اجوبة موثوقة ومبلورة علميا للمشاكل التي انقسمت حولها منذ قرون الضمائر المسماة مدنية وقومية ودينية والتي تكيفت مع التأريخ الموالي لهذا الطرف او ذاك والمفعم بالاساطير والايديولوجيا وهي ضمائر جاهزة للتعبئة في كل لحظة لمواجهة عدو تم "تحضيره" منذ زمن طويل. هذا ما لا ننفك نشهده ولو البس لبوس الحوارات بين الاديان والثقافات حيث يعاد، منذ المجمع الفاتيكاني الثاني وما قيل انه نهاية العهد الاستعماري، اجترار النداءات الاخلاقية من اجل التسامح والاعلان عن احترام قيم الآخر... حضرت العديد من هذه الندوات التي قيل فيها كلام حول الاديان يشي بجهلنا المشترك حول التقليد الديني واكثر حول الظاهرة الدينية كبعد انتربولوجي لاحوال البشر.
وحده ارتسام هذا التاريخ المتضامن للشعوب يمكنه ان يدفع الفكر الاسلامي والمسلمين وللمرة الاولى في تاريخهم، الى مواجهة التحديات الاكثر تهيئة للحداثة والافادة من الاسهامات الشاملة للفكر العلمي والتساؤل الفلسفي. ذلك ان الفكر الاسلامي قد رفض حتى الآن المكاسب الاكثر تحريرا للفكر النقدي الحديث، واغلق على نفسه خلف سياج دوغمائي وموقف عدائي من الغرب المتسلط والواثق من نفسه كما تبدّى لجميع الشعوب في نمط عيشه ونظرتها اليه مما ضخم الخيال المقاوم له ودفع بهذه الشعوب للانطواء في مواقع دفاعية عن هوياتها.
من الخطأ تجريم هذه الكيانات المجردة والمسماة دون تمييز القرآن او "الاسلام" باعتبارها ايديولوجية قتالية. فهي تعمل في الواقع كردة فعل على الضغوط الخارجية التي تمارس منذ القرن التاسع عشر بحق مجتمعات محرومة من انتاج تاريخها الخاص بالعمل على ذاتها دون ان تعيقها وتفسدها او تعيد توجيهها ارادات اجنبية ذات اطماع مكشوفة. من جهة جدلية السيطرة والاعتداء السياسي والثقافي والهيمنة الجيوسياسية، ومن جهة اخرى تفاقم الشعور بالعجز والاذلال والتأخر والظلم والفشل. وتجدر الاشارة الى ان هذه الجدلية البادية للعيان لا تلقى ابدا قراءة صحيحة من الجانب الغربي بل ان مؤرخين نافذين من امثال برنارد لويس [2] يقاربونها بطريقة معاكسة عندما "يفسرون" اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001 بدوافع وعوامل و"خيارات" حرة داخلية تنبع من "الاسلام" والانظمة العربية خصوصا.
اذا كان لا مفر من التوقف عند الاسباب العميقة والوقائع المباشرة المندرجة في البنية الخاصة بالمجتمعات التي تعيش الظاهرة الاسلامية، فان المطلوب التشديد على العوامل المضاعفة والظروف المفاقمة الناتجة عن تدخل الغرب المكشوف منذ 1492، العام المرجع والتاريخ الرمزي لاكتشاف اميركا وطرد المسلمين واليهود من اسبانيا.
هناك المزيد يقال حول هذه النزاعات وسؤ التفاهم والجهل الذي غذاه التراث التأريخي، حول هذه الحروب المتواترة التي تتعارض فيها جذريا مواقف الجلاد والضحية، حول هذه القيم التي تستحضر لاعادة احياء شرعيات عفى عليها الزمن تتعرض هي نفسها للخيانة والسخرية ممن يرفعون لواءها انفسهم. ان اذكاء المشاعر والهيجان القاتل والادانات المتبادلة والنبذ الحاد الذي نشهده في كل مكان منذ 11 ايلول/سبتمبر 2001 لا يترك مجالا او فرصة امام الاصوات والشهادات القادرة على فتح آفاق جديدة للتفكير والمعرفة والفعل التاريخي، وهي رغم كل شيء في متناولنا. فكر نقدي يمتلك الادوات المفهومية والمواقف العقلية الضرورية لاضفاء المعنى وطرح المهمات الجديدة امام هذا التاريخ المتضامن للشعوب المتحرر من الثنائيات الصراعية والمتجه نحو تجاوز الخير والشر والحق والباطل والمختار والمنبوذ والمتحضر والمتوحش والانوار والظلمة...

Shahd
06-21-2005, 08:35 PM
[font=Simplified Arabi
الحداثة في الفن

لايمكن اعتبار الحداثة قطيعة أولية لا مثيل لها. ذلك أن حرصها الجنوني على ردم التقليد السائد وتحقيق التجديد الجذري جعلها تساير - في نطاق النظام الثقافي وعلى مدى قرن فاصل - النتاج الخاص للمجتمعات الحديثة، التي ترمي إلى أن تؤسس نفسها على ضوء معطيات النمط الديمقراطي.
ومن ثم، فإن الحداثة لا يمكن أن تكون شيئا آخر غير تعبير عن النسق القديم الذي يؤدي إلى بروز المجتمعات الديمقراطية القائمة على سيادة الفرد والشعب، والمتحررة من سيطرة تراتبيات المجتمع الموروثة وكل تقليد سائد.
وبإمكاننا أن نقف على الاستمرار الثقافي لهذا النسق فيما ظهر بوضوح إبان نهاية القرن الثامن عشر من تحولات على مستوى الممارسات السياسية والتشريعية عملت على إنجاز المشروع الثوري الديمقراطي الذي أدى إلى بناء مجتمع منسلخ عن كل مسوغ مقدس، بحيث يبدو هذا المجتمع في النهاية مجرد تعبير خالص عن إرادة الأفراد ومساواتهم في الحقوق.
وهكذا، اضطر المجتمع إلى أن يبتكر نفسه، من جهة إلى أخرى، حسب الباعث الإنساني لا حسب ميراث الماضي الجماعي، إذ ما عاد أي شيء مقدسا، وإنما ينحاز المجتمع إلى امتلاك حق التصرف والتوجه من ذات نفسه دون ضغط خارجي أو تمشيا مع نموذج يتجلى مطلقا.
ومجاراة للدقة، ألا يمكن القول بأن إلغاء ظاهرة استعلاء وتفوق الماضي هو ما ينطوي عليه عمل المجددين في ميدان الفن؟ فكما أن الثورة الديمقراطية تحرر المجتمع من قوى اللامرئي ومن علاقته بالكون التدريجي، فإن الحداثة الفنية تسعى إلى الغاية نفسها حينما تحرر الفن والأدب من عبادة التقليد الموروث، واحترام الأساتذة الأولين وكذا من نظام التقليد.
ففي نطاق سعيها إلى تحرير المجتمع من عبودية القوى المؤسسة الخارجية واللاإنسانية، وتخليص الفن من قواعد السرد المجسد كان نفس المنطق يعمل عمله ليؤسس نظاما مستقلا لا ركيزة له سوى الفرد الحر.
وكما قال أندريه مالرو: «فإن ما يبحث عنه الفن الجديد هو قلب علاقة الشيء باللوحة وجعله تابعا لها بصورة جلية»، وبالتالي، فإن غاية الحداثة هي «التركيب الخالص» (كاندنسكي) والارتقاء إلى عالم من الأشكال والأصوات والمعاني الحرة والسامية التي لا تخضع لقواعد خارجية سواء كانت دينية أو اجتماعية، بصرية أو أسلوبية.
ودون أن تكون في حالة تعارض مع نظام المساواة، فإن الحداثة هي - عبر وسائل أخرى - استمرار للثورة الديمقراطية ولعملها الرامي إلى تحطيم الأشكال التابعة. وبعبارة أخرى، فإنها تسعى إلى تأسيس فن منسلخ عن الماضي ومستقل بذاته، مما يجعلها تبدو أحيانا عبر بعض صفاتها «النخبوية» فنا منفصلا عن الجماهير و«نسقا تجريديا من وجهة نظر ماركسية» كما أكد ذلك أدرنو.
إن الحداثة ذات جوهر ديمقراطي لأنها لا تفصل الفن عن التقليد والاقتداء، كما أنها تطلق - على غرة - حركة نسق مشروعية سائر المواضيع .
لم يعد للفن موضوع متميز، كما أنه لم يعد يُجمِّلُ العالم؛ إذ بإمكان النموذج أن يكون نحيفا لا قيمة له، كما أنه بإمكان الأفراد أن يتزينوا بسترة سوداء قصيرة وطويلة، وأن توازي طبيعة ميتة رسما لتصبح بعد ذلك خطاطة إجمالية للوحة.
وهكذا، صار التوهج السابق للمواضيع لدى الانطباعيين يفسح المجال لألفة مناظر ضواحي المدينة ولبساطة حافات الطرق والمقاهي والأزقة والمحطات. أما التكعيبيون، فإنهم سيدمجون في لوحاتهم الأرقام والحروف وقطعا من الأوراق والزجاج والحديد. وعبر حضور الجاهز - وكما يقول الرسام دوشان فإنه من الأهمية أن يكون الشيء المختار تافها بصفة مطلقة.
ولقيامه بذلك، صار يتحدَّد عبر محاكمة ترمي إلى تحطيم سمو النتاجات لجعلها تطابق بدقة إلغاء التقديس الديمقراطي للهيئة السياسية واختزال العلامات المتأرجحة للسلطة ودنيوية القانون، بحيث توجه نفس العمل إلى «تقزيم» ما هو جليل ورفيع، إلى درجة أن كل المواضيع صارت تعتبر على نفس المستوى، كما أنه صار بإمكان كل العناصر أن تدخل في الإبداعات التشكيلية والأدبية.
وعليه، فإذا كان الفنانون المعاصرون يخدمون مجتمعا ديمقراطيا، فإنهم لا يفعلون ذلك انطلاقا من العمل الصامت الخاص للنظام القديم، بل انطلاقا من مبدأ القطيعة الجذرية والمتطرفة، قطيعة الثوريين السياسيين المعاصرين. لذلك، فإن التماثلات القائمة بين محاكمة ثورية ومحاكمة حداثية هي تماثلات واضحة: إذ أن كل واحدة منها تعني تأسيس قطيعة عنيفة أحادية الاتجاه. وفي هذا الصَّدد، يقول الفنان بول كلي «أريد أن أكون مثل مولود جديد لا أعرف شيئا عن أوروبا إطلاقا..
أريد أن أكون شبه بدائي. وبمعنى آخر، فإن المحاكمتين تؤمنان بنفس الاستثمار المتزايد أو التقديس العلماني للعهد الجديد، وذلك باسم الشعب والمساواة والأمة من جهة، ثم من جهة أخرى، باسم الفن نفسه أو باسم «الإنسان الجديد».
نحن إذن أمام نفس المحاكمات التطرفية ونفس المزايدة الواضحة، سواء على مستوى النظام الإيديولوجي والإرهابي أو على مستوى هوس التوغل في مجالات التجديد الفني. نفس الإرادة الرامية إلى تحدِّي الحدود الوطنية وإضفاء طابع كوني على العالم الجديد (الفن الطبيعي يستعمل أسلوبا عالميا).
نفس التأسيس لجماعات «متقدمة» من المناضلين وفناني الطليعة ولهذا، فإنه ليس بإمكاننا أن نقبل تحليلات «أدورنو» الذي يعتبر الحداثة مجرد نسق تحريري مماثل لمنطق قيمة التبادل الاقتصادية التي تعمل بها الرأسمالية الكبرى، لأن الحداثة ليست نسخا لنظام السلعة، كما أن الثورة الفرنسية لم تكن «ثورة بورجوازية».
وهذا يعني أن النظام الاقتصادي (سواء أدركناه من منظور مصالح الطبقة أو من منظور المنطق التجاري) لا يمكنه أن يجعل المزايدة الحديثة معقولة، ولا أن يفعل نفس الشيء بالنسبة للثورة ضد دين الماضي المتعصب أو التحمس لعظمة المستقبل وبهائه، وإرادة التجديد الجذري.
هذا، ومادامت ميزة الحداثة تقوم على التجديد، فإنها قد أتاحت للفن اتخاذ مسلك آخر يدفع النتاجات الأدبية إلى أن يكون في حالة تناقض مع تناغم الحياة المألوفة من خلال ابتعادها عن تجربتنا المعتادة مع الفضاء واللغة.




[/font]