المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الشاعر فيلسوفًا..؟!..!!.


Zurba
06-11-2005, 08:50 PM
عندما نسمع مثل هذه الفلسفة، من أناسٍ لم يصنفوا أنفسهم بـ فلاسفة، بل أدباء!

أقول: إن الأدب بكل أنواعهِ، إن كان شعرًا، أو نثرًا، أو مقالاً، فهو قراءة فلسفية أو أمثال تصويرية للنظرية الفلسفية في الحياة.

فما الشعراء إلا فلاسفة، يقومون بشعرهم بوضع نظريات فلسفية بحته، ولكنها تأتي على صورة سهلة يستطيع القارئ العادي فهمها والتمتع بمزاياها..!!

فلو قرأتم معي رفاقي هذه الأبيات للشاعر العباسي، أبي الطيب المتنبي لتسائلنا سويًا هل المتنبي فيلسوفًا..؟!!


فلسفته عن الحياة إنها عبارة عن مخاطر، ولا تدوم إلا بالقوة يقول:

صحبت في الفلاة الوحش منفردا
حتى تعجب مني الفور والاكم

أما فلسفته عن الناس فإنهم منافقين متخاذلين، فيقول:

ولما صار ود الناس خبا
جزيت بابتسام على ابتسام


وإنهم حاسدين له حتى سمّا ابنه المحسد، ولكنه عاقلا فطنًا كما يقول عن نفسه يقول غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله.

ورغم أن المتنبي اهلك نفسه في مدح الأمراء، كان يطلب الإمارة ولم يطلب المال كما يقول: ورغبتي في عسجد استجده ورغم انه لم يحصل عليها حين حياته إلا انه حصل على مبتغاه في مماته وكان أميرًا للشعراء والفلاسفة والحكماء، وتردد أبياته في كل مكان.

يقول المتنبي إن المجد والعزة في السيف وليست للقلم لان القلم لا يصنع الأمجاد ولكن السيف رفيقها وصاحبها.

حتى رجعت واقلامي قوائل لي
المجد للسيف ليس المجد للقلم


رغم انه شاعر لا يفارق الِكتاب والقلم، إلا انه يقدم السيف دائما كما في بيته:


الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم


وأيضًا:

اعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب



مصافحتي

Shahd
06-11-2005, 10:43 PM
:more19: لا يمكن أن نعتبر الشعر إلا كإشارة للانفتاح الكوني، إشارة للتجوهر الإنساني في العالم، كوجود تأصيلي في الهنا والآن. أن الشعر بقدر ما يبعث التسمية، ويكشف نداءات التكينن بوضع الأشياء منتصبة أمام الرؤية، فتتخذ بعد التمظهر في فضاء التجلي والبينونة، فإنه يخلق ما به يصير الوجود اختفاء باعتباره فعلا للتيه. والتيه "هو مجال فعل ذلك الاضطراب الذي ينسى الإنسان فيه الانفتاح المنغلق".

إذن فالشعر في جوهره تيه، بقدر ما هو مشروع لا مكتمل لا يتحدد بهدف غائي، تتوقف عنده حركة الشعرية، ومن ثم فهو ضد الحقيقة التي تظهر كموجود يمارس إكراهاته على الكائن الجوهراني الشعري، إن اللاحقيقة في الشعر هي الوجود الأصلاني المنفتح، أو التجلي الأكثر تميزا في تعدديته. فهو دليل الحيوية الناطقة التي تعري إمكانات العالم التخييلية، التي تحدس بالظن، بقدرات الكائن الشعري التنبؤية. والشعر في إحدى إمكاناته واختياراته الكبرى مساءلة حيوية للوجود. فكيف تتحدد هذه المساءلة؟ أو بالأحرى كيف يثير الشعر أسئلة الوجود التي يعيد من خلالها كشف التوتر الحيوي للوجود الناطق؟ وكيف يعبر نحو الاستنارة المبددة للعتمة؟

إن القاسم المشترك بين الشعر والعقل هو محبة الحكمة، ولكن الاختلاف بينهما يكمن في منهج القراءة الحكيمة. فالعقل يدرك الحكمة من زاوية السلطة، بسيطرته على الحواس، والوعي الباطن، والطبيعة، واعتباره الواقع انعكاسا للعقل/اللوغوس، فنظام الكون يجري على نسق العقل إلى درجة أن هيجل في مثاليته المطلقة يعتبر أن " كلّ ما هو واقعي، فهو عقلي، وكل ما هو عقلي فهو واقعي" فنحن إذن إزاء تأويل عقلي للوجود. لكنه تأويل تماثلي يقوم على أساس تقني سيمتري.

أما الشعر فهو ينحو منحى تأويليا فائضا، فحب الحكمة ليس إلا قراءة لا متناهية لوجود لا متناه، ومن ثم يغدو فهم العالم سبيلا لتجريب كينونة المتخيل، هذا التجريب الذي يبدأ من تكسير حدود الواقع الحسي والواقع المعقول أيضا ليلج اختبار الاستحالة. فالإمكانية العقلية ليست هي البعد الوحيد لوجودنا، فقد يتاح لنا أن نعيش كل حدث يخصنا في علاقة مزدوجة، مرة نعيشه كشيء نفهمه، ندركه، نتحمله، ونسيطر عليه بربطه في النهاية بقيمة الوحدة، مرة أخرى نعيشه كشيء يخفى عن كل استعمال، وعن كل غاية بل يفلت من قدرتنا على تجربته، لكننا لا نستطيع نحن أن نفلت من تجرته. كما لو أن الاستحالة - تلك التي فيها لا يعود بإمكاننا أن نتمكن منها - كانت تنتظرنا وراء كل ما نعيشه ونفكر فيه ونقوله"
يقول هير قليطس: "إن على الذين يحبون الحكمة أن يتساءلوا عن أشياء عديدة في الحقيقة"، وهي مساءلة تتوخى إحداث الدهشة التي تغمر الكينونة لحظة كشفها لتعارضات العالم ومفارقاته التي لا نهاية لها، والمساءلة تنزع غطاء الزيف عن هذا العالم الذي يدعى التلاؤم والانسجام، وينخرط في تأكيد الدوغما المبشرة بالحقيقة الوحيدة، النافية للتعدد، والاختلاف.الشعر في إشراقيته يتماس بالتصوف، من حيث كونهما يستهدفان تمزيق الحجاب، هذا العائق الإبستيمي الذي يحول دون رؤية أبعاد الكون الخلفية/الماورائية حيث هناك حيوات أخرى تتعدد ولا تتشابه، فتتجاوز لتكشف عن الجوهر الأصلاني للوجود، جوهر الصيرورة والتجدد الأبدي.

والقصيدة من جهة أخرى استدعاء للحياة، بوصفها لا تعطي شيئا آخر غير ذاتها، فهي معرفة أخرى لمقاومة المومن ثم فالشعر هو حلول في الإضمار الكلي. بقصد فهم وإدراك البنى التأويلية للعالم، هذه البنى المنتجة للمعاني اللامتناهية التي يزخر بها الكون السردي هذا الذي يشكل مقصدية الشعر.

فالشعر هو معرفة الظهور بوصفها اكتشافا لمناطق من الكينونة ما تزال مجهولة من خلال استدعائها وانبثاقها فينا.لل قصد الانتصار عليه، وإزاحته عن الكائن في العالم، هذا المهووس بالتجدد من خلال تعلقه بلحظات الكشف والغوص في الأعماق بحثا عن أشكال الحيوات الورائية، فالقصيدة تخضع الزمن إلى رؤيتها الإشكالية التي لا يمنطقها سوى الخيال، فالزمن من بين أنماط الوجود خضوعا للخيال.

لي عوده
يتبعها نموذج تحليلي

Shahd
06-12-2005, 06:03 PM
نشأ "أبو العلاء المعري" في أسرة مرموقة تنتمي إلى قبيلة "تنوخ" العربية، التي يصل نسبها إلى "يَعرُب بن قحطان" جدّ العرب العاربة.

ويصف المؤرخون تلك القبيلة بأنها من أكثر قبائل العرب مناقب وحسبًا، وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين، وكان أبناؤها من أكثر جند الفتوحات الإسلامية عددًا، وأشدهم بلاءً في قتال الفرس.

وُلد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في بلدة "معرَّة النعمان" من أعمال "حلب" بشمال "سوريا" في (27 من ربيع الأول 363هـ = 26 من ديسمبر 1973م).

ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه "سليمان بن أحمد" كان قاضي "المعرَّة"، وولي قضاء "حمص"، ووالده "عبد الله" كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلفًا لأبيه بعد موته، أمَّا أخوه الأكبر محمد بن عبد الله (355 - 430هـ = 966 – 1039م) فقد كان شاعرًا مُجيدًا، وأخوه الأصغر "عبد الواحد بن عبد الله" (371 – 405هـ = 981 - 1014م) كان شاعرًا أيضًا.

محنة في محنة

وعندما بلغ أبو العلاء الثالثة من عمره أُصيب بالجدري، وقد أدَّى ذلك إلى فقد بصره في إحدى عينيه، وما لبث أن فقد عينه الأخرى بعد ذلك.

ولكن هذا البلاء على قسوته، وتلك المحنة على شدتها لم تُوهِن عزيمته، ولم تفُتّ في عضده، ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث.

فقرأ القرآن على جماعة من الشيوخ، وسمع الحديث عن أبيه وجدِّه وأخيه الأكبر وجدَّتِه "أم سلمة بنت الحسن بن إسحاق"، وعدد من الشيوخ، مثل: "أبي زكريا يحيى بن مسعر المعري"، و"أبي الفرج عبد الصمد الضرير الحمصي"، و"أبي عمرو عثمان الطرسوسي".

وتلقَّى علوم اللغة والنحو على يد أبيه وعلى جماعة من اللغويين والنحاة بمعرَّة النعمان، مثل: "أبي بكر بن مسعود النحوي"، وبعض أصحاب "ابن خالوية".

وكان لذكائه ونبوغه أكبر الأثر في تشجيع أبيه على إرساله إلى "حلب" – حيث يعيش أخواله – ليتلقى العلم على عدد من علمائها، وهناك التقى بالنحوي "محمد بن عبد الله بن سعد" الذي كان راوية لشعر "المتنبي"، ومن خلاله تعرَّف على شعر "المتنبي" وتوثقت علاقته به.

ولكن نَهَم "أبي العلاء" إلى العلم والمعرفة لم يقف به عند "حلب"، فانطلق إلى "طرابلس" الشام؛ ليروى ظمأه من العلم في خزائن الكتب الموقوفة بها، كما وصل إلى "أنطاكية"، وتردد على خزائن كتبها ينهل منها ويحفظ ما فيها.

وقد حباه الله تعالى حافظة قوية؛ فكان آية في الذكاء المفرط وقوة الحافظة، حتى إنه كان يحفظ ما يُقرأ عليه مرّة واحدة، ويتلوه كأنه يحفظه من قبل، ويُروى أن بعض أهل حلب سمعوا به وبذكائه وحفظه – على صغر سنه – فأرادوا أن يمتحنوه؛ فأخذ كل واحد منهم ينشده بيتًا، وهو يرد عليه ببيت من حفظه على قافيته، حتى نفد كل ما يحفظونه من أشعار، فاقترح عليهم أن ينشدوه أبياتًا ويجيبهم بأبيات من نظمه على قافيتها، فظل كل واحد منهم ينشده، وهو يجيب حتى قطعهم جمعيًا.

بين اليأس والرجاء

عاد "أبو العلاء" إلى "معرة النعمان" بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها.

وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:


أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل
رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ

مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى
وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ


وبعد وفاة أبيه عاوده الحنين إلى الرحلة في طلب العلم، ودفعه طموحه إلى التفكير في الارتحال إلى بغداد، فاستأذن أمه في السفر، فأذنت له بعد أن شعرت بصدق عزمه على السفر، فشد رحاله إليها عام (398هـ = 1007م).

نجم يسطع في سماء "بغداد"

واتصل "أبو العلاء" في بغداد بخازن دار الكتب هناك "عبد السلام البصري"، وبدأ نجمه يلمع بها، حتى أضحى من شعرائها المعدودين وعلمائها المبرزين؛ مما أثار عليه موجدة بعض أقرانه ونقمة حساده، فأطلقوا ألسنتهم عليه بالأقاويل، وأثاروا حوله زوابع من الفتن والاتهامات بالكفر والزندقة، وحرّضوا عليه الفقهاء والحكام، ولكن ذلك لم يدفعه إلى اليأس أو الانزواء، وإنما كان يتصدى لتلك الدعاوى بقوة وحزم، ساخرًا من جهل حساده، مؤكدًا إيمانه بالله تعالى ورضاه بقضائه، فيقول تارة:


غَرِيَتْ بذمِّي أمةٌ
وبحمدِ خالقِها غريتُ

وعبدتُ ربِّي ما استطعـ
ـتُ، ومن بريته برِيتُ


ويقول تارة أخرى:

خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّت
أمةٌ يحسبونهم للنفادِ

إنما ينقلون من دار أعما
لٍ إلى دار شقوة أو رشادِ

ولم يكن أبو العلاء بمعزل عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية في عصره؛ فنراه يشارك بقصائده الحماسية في تسجيل المعارك بين العرب والروم، كما يعبر عن ضيقه وتبرمه بفساد عصره واختلال القيم والموازين فيه، ويكشف عن كثير مما ظهر في عصره من صراعات فكرية ومذهبية، كما يسجل ظهور بعض الطوائف والمذاهب والأفكار الدينية والسياسية.

وقد عرف له أهل بغداد فضله ومكانته؛ فكانوا يعرضون عليه أموالهم، ويلحُّون عليه في قبولها، ولكنه كان يأبى متعففًا، ويردها متأنفًا، بالرغم من رقة حالة، وحاجته الشديدة إلى المال، ويقول في ذلك:


لا أطلبُ الأرزاقَ والمو
لى يفيضُ عليَّ رزقي

إن أُعطَ بعضَ القوتِ أعـ
ـلم أنَّ ذلك فوق حقي

وكان برغم ذلك راضيًا قانعًا، يحمد الله على السراء والضراء، وقد يرى في البلاء نعمة تستحق حمد الخالق عليها فيقول:

"
أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر".



رسالة الغفران

لم يطل المقام بأبي العلاء في بغداد طويلاً؛ إذ إنه دخل في خصومة مع "المرتضي العلوي" أخي "الشريف الرضي"، بسبب تعصب "المعري" للمتنبي وتحامل المرتضي عليه؛ فقد كان أبو العلاء في مجلس المرتضي ذات يوم، وجاء ذكر المتنبي، فتنقصه المرتضي وأخذ يتتبع عيوبه ويذكر سرقاته الشعرية، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قصيدته: "لك يا منازل في القلوب منازل" لكفاه فضلاً.

فغضب المرتضي، وأمر به؛ فسُحب من رجليه حتى أُخرج مهانًا من مجلسه، والتفت لجلسائه قائلاً: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر تلك القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكره. قالوا: النقيب السيد أعرف! فقال: إنما أراد قوله:


وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأنِّي كامل
وفي تلك الأثناء جاءت الأخبار إلى أبي العلاء بمرض أمه، فسارع بالرجوع إلى موطنه بعد نحو عام ونصف العام من إقامته في بغداد.

العودة إلى الوطن

غادر أبو العلاء بغداد في (24 من رمضان 400 هـ = 11 من مايو 1010م)، وكانت رحلة العودة شاقة مضنية، جمعت إلى أخطار الطريق وعناء السفر أثقال انكسار نفسه، ووطأة همومه وأحزانه، وعندما وصل أبو العلاء إلى بلدته كانت هناك مفاجأة قاسية في انتظاره.. لقد تُوفِّيت أمه وهو في طريق عودته إليها.

ورثاها أبو العلاء بقصيدة تقطُر لوعة وحزنًا، وتفيض بالوجد والأسى. يقول فيها:


لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت
أسباب دنياكِ من أسباب دنيانا

ولزم داره معتزلاً الناس، وأطلق على نفسه "رهين المحبسين"، وظلَّ على ذلك نحو أربعين عامًا، لم يغادر خلالها داره إلا مرة واحدة، عندما دعاه قومه ليشفع لهم عند "أسد الدولة بن صالح بن مرداس" - صاحب حلب - وكان قد خرج بجيشه إلى "المعرة" بين عامي (417،418هـ = 1026،1027م)؛ ليخمد حركة عصيان أهلها، فخرج أبو العلاء، متوكئا على رجُل من قومه، فلما علم صالح بقدومه إليه أمر بوقف القتال، وأحسن استقباله وأكرمه، ثم سأله حاجته، فقال أبو العلاء:


قضيت في منزلي برهةً
سَتِير العيوب فقيد الحسد

فلما مضى العمر إلا الأقل
وهمَّ لروحي فراق الجسد

بُعثت شفيعًا إلى صالح
وذاك من القوم رأي فسد

فيسمع منِّي سجع الحمام
وأسمع منه زئير الأسد

فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منَّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منه زئير الأسد. ثم أمر بخيامه فوضعت، ورحل عن "المعرة".

أبو العلاء النباتي

وكان أبو العلاء يأخذ نفسه بالشدة، فلم يسع في طلب المال بقدر ما شغل نفسه بطلب العلم، وهو يقول في ذلك:

"وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه".

ويُعدُّ أبو العلاء من أشهر النباتيين عبر التاريخ؛ فقد امتنع عن أكل اللحم والبيض واللبن، واكتفى بتناول الفاكهة والبقول وغيرها مما تنبت الأرض.

وقد اتخذ بعض أعدائه من ذلك المسلك مدخلاً للطعن عليه وتجريحه وتسديد التهم إليه، ومحاولة تأويل ذلك بما يشكك في دينه ويطعن في عقيدته.

وهو يبرر ذلك برقة حاله وضيق ذات يده، وملاءمته لصحته فيقول:

"ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيِّفٌ وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب بقي لي ما لا يعجب، فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن.. ولست أريد في رزقي زيادة ولا لسقمي عيادة".

وعندما كثر إلحاح أهل الفضل والعلم على أبي العلاء في استزارته، وأبت به مروءته أن يرد طلبهم أو يقطع رجاءهم، وهم المحبون له، العارفون لقدره ومنزلته، المعترفون بفضله ومكانته؛ فتح باب داره لا يخرج منه إلى الناس، وإنما ليدخل إليه هؤلاء المريدون.

فأصبح داره منارة للعلم يؤمها الأدباء والعلماء، وطلاب العلم من كافة الأنحاء، فكان يقضي يومه بين التدريس والإملاء، فإذا خلا بنفسه فللعبادة والتأمل والدعاء.

وكما لم تلن الحياة لأبي العلاء يومًا في حياته، فإنها أيضًا كانت قاسية عند النهاية؛ فقد اعتلّ شيخ المعرَّة أيامًا ثلاثة، لم تبق من جسده الواهن النحيل إلا شبحًا يحتضر في خشوع وسكون، حتى أسلم الروح في (3 من ربيع الأول 449هـ = 10 من مايو 1057م) عن عمر بلغ 86 عامًا.

آثاره أبي العلاء

وقد ترك أبو العلاء تراثًا عظيمًا من الشعر والأدب والفلسفة، ظل موردًا لا ينضب للدارسين والباحثين على مر العصور، وكان له أكبر الأثر في فكر وعقل كثير من المفكرين والعلماء والأدباء في شتى الأنحاء، ومن أهم تلك الآثار:

- رسالة الغفران: التي ألهبت خيال كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ الزمان، والتي تأثر بها "دانتي" في ثُلاثيته الشهيرة "الكوميديا الإلهية".

- سقط الزند: وهو يجمع شعر أبي العلاء في شبابه، والذي استحق به أن يوصف بحق أنه خليفة المتنبي.

- لزوم ما لا يلزم (اللزوميات)، وهو شعره الذي قاله في كهولته، وقد أجاد فيه وأكثر بشكل لم يبلغه أحد بعده، حتى بلغ نحو (13) ألف بيت.

- الفصول والغايات (في تمجيد الله والمواعظ).

- عبث الوليد: وهو شرح نقدي لديوان "البحتري".

- معجز أحمد: وهو شرح ديوان "أبي الطيب المتنبي".

- رسالة الملائكة.

- رسالة الحروف.

- الرسالة الإغريضية.

- الرسالة المنيحية.

Shahd
06-12-2005, 06:44 PM
:r_butterf
"أيها الغرّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ .......... فاتّبعْهُ ، فكلّ عقلٍ نبي

من هذه الرؤية ندخل إلى عالم أبى العلاء المعري ونظرية الشك لديه ، حيث نرى رؤيته الشكية في كل ما يجرى من حوله ، فلا جوامد ثابتة أو غير قابلة للتحليل والنقد .

يصرح المعري في "رسالة الفصول والغايات" بتأرجحه بين القبول والرفض للحياة فيقول : " نفس تأمرني بذلك ، ونفس تنهاني؛وربما كان يعني التخلص من الحياة ولذا فهو يصرح في رسالة الغفران:"قد كدت ألحق برهط العدم ؛ من غير الأسف ولا الندم، ولكنما أرهب قدومي على الجبار"

إن الشك عند أبى العلاء المعري منهج معين يسير عليه نحو الوصول إلى الحقيقة ، والتناقض الظاهري لديه لا يعنى إلا مرحلة التردد بين اليقين وعدم اليقين ؛ بين المنقول والمعقول ، بين المتعارف عليه والجديد، بين التقليد والتجديد ، ويصطدم المعري في منهجية الشك لديه بكل ما هو متوارث ، فالمعطيات لديه ليست مقدسة والفضل يعود لذاته كما يقول:
وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانه .......... لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائلُ

لكننا نتساءل ما الهدف الذي سعى إليه المعري من خلال الشك كمنهج لديه؟ أظن إن المعري قد استخدم الشك طريقا للوصول إلى قناعة داخلية ، إنه في صراع أبدي مع نفسه ، مع مجتمعه ، مع السلطة ، مع الأديان ، إنه يشعر أن قوة داخلية تطارد فكره كي يرتقى إلى منزلة اليقين وفى خلال رحلته القلقة يصطدم مع كل المؤسسات القائمة ويسعى إلى تقويمها أو تحطيمها إن لم يجد إلى تقويمها سبيلا. وعندما ننظر إلى هذا الكم الهائل من مؤلفات المعري ( وما احتوته من فكر ) نجد أن أهم ما يدعو إليه المعري هو إعمال العقل " فكلُّ عقلٍ نبيُّ " وفى مرحلة تنبية العقل ينمو الشك لديه في كل ما حوله ويتخذ عند المعري ثلاثة أشكال :-
( أ ) الشك في الأديان .

(ب) الشك في التراث الأدبي.

(ج) الشك في المجتمع .

وسوف أتوقف هنا عند الشك في البنية الدينية فقط .

القارئ لتراث المعري الشعري والنثري يفاجأ بهذا التناقض الشكلي بين المعري الكافر ، الزنديق ، الملحد وبين المعري المؤمن ، التقى ، الورع . وفى الأدب العربي القديم نفتقد بشكل كبير زمنية التأليف ويزيد من حجم المشكلة أن المخطوطة الواحدة قد تكتب في عدة سنوات ويبقى أمام الباحث التشبث بإشارات التأريخ وهذه لا تسعف الباحث أحيانا في التحديد الدقيق ، وتزداد المشكلة تعقيدا لدى المعري الذي كثرت مؤلفاته وتضخمت ، ولا يعرف زمنية تأليفه ، وعلى سبيل المثال فقد كان الظن لدى معظم الباحثين أن ديوان سقط الزند هو أول ديوان ألفه المعري في حياة الصبا ؛ إلا أننا عندما نقرأ الديوان بتمعن نفاجأ أن الديوان قد أُلف عبر حياة المعري وأن بعض قصائده يعود زمنيتها إلى أواخر عمر المعري ، وأقصد من ذلك أن أقول إن التردد أو التناقض في مواقف المعري في الكتاب الواحد لا يعطى دليلا على أن الشك كان في مرحلة زمنية معينة من حياة المعري بل يؤكد أن الشك صاحَب المعري في معظم حياته. وينبغي قبل أن أورد أمثلة من أقوال المعري أن أركز على أن المعري يشكك أحيانا في جزئيات الأديان كنظرية لكن معظم شكه ونقده ينصب على متاجري الأديان ؛ فهاهو يردد : "ما أنا بالملحد الكفور ولا أسأل مولاي غير إلحاد"

العقل في مواجهة ما وراء العقل :

يؤمن المعري بالعقل ويتخذه نبيا ، وينادى في اللزوميات :

يرتجي الناسُ أن يقـومَ إمــامٌ ........... ناطقٌ في الكتيبة الخرســاء

كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل ......... مشيرا في صبحه والمســاء

فإذا ما أطعـتــه جلب الرحمة ........... ... عند المسير والإرســـاء

إنما هذه المذاهب أسبـــاب ........... .... لجذب الدنيا إلى الرؤسـاء وينادي :

ولا تصدق بما البرهان يبطله ........... فتستفيد من التصديق تكذيبا

ويصرح بأن الحكم الأول والأخير يجب أن يكون للعقل فيقول :

جاءت أحاديثُ إن صــحتْ فإن لها ........... شأنـا ولكن فيها ضعف إسنادِ فشاور العقل واترك غيره هـــدرا ........... . فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي

أو قوله :

في كل أمرك تقليدٌ رضيتَ به ........... حتى مقالك ربي واحدٌ ، أحدُ

وقــد أُمرنا بفكرٍ في بدائعه ........... .. وإن تفكر فيه معشر لحدوا ؟
ويردد المعري الكثير من آراء ابن الراوندي تجاه العقل فقد أورد ابن الراوندي موقفه الرافض لكل ما يخالف العقل ، يقول ابن الراوندي : " إن الرسول شهد للعقل برفعته وجلالته ، فلمَ أتى بما ينافره إن كان صادقا؟"

ويمضى قائلا : "والعقل هو الذي يمتحن قيمة النبوة ، فإما أن تتفق تعاليم النبي مع العقل وحينئذ فلا لزوم لها ؛ وإما أنها تتناقض وإياه وحينئذ فهي باطلة" وعلى هذا فإن المعري يرى أن العقل هو الحكم والفيصل في الأديان وأن كل ما هو مقدس يجب أن يخضع للعقل .

العقل في مواجهة النقل :

يطرح المعري قضية الألوهية بشيء من الإنكار تارة وتارة أخرى بشكل إيماني عميق ،فالشك يبدأ لديه في مواجهة ما تناقله الفقهاء والمفسرون ولذلك يقول في اللزوميات :

قلتم لنا خالقٌ حكيم ........... قلنا صدقتم كذا نقـولُ

زعمتموه بلا مكانٍ ............ ولا زمانٍ ألا فقولــوا

هذا كلام له خبـئٌ ........... معناه ليست لنا عقولُ
و يقول :

أما الإله فأمرٌ لست مدركه ........... فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطا

ويتعجب المعري لماذا لا يتألم الله لعذاب الناس :

لوانى كلب لاعترتني حمية ........... لجروي أن يلقى كما يلقى الإنس
أو قوله :

رأيت سجايا الناس فيها تظالم ........... ولا ريب في عدل الذي خلق الظلما

وأن هنالك تناقضا في الأحكام فيخاطب الله قائلا :

أنهيتَ عن قتل النفوس تعمدا ........... وبعثت أنت لقبضها ملكين؟

وزعمت أن لنا معــادا ثانيا ........... .. ما كان أغناها عن الحالين

ويخاطب الله متسائلا :

إن كان لا يحظى برزقك عاقــل ........... وترزق مجنونا وترزق أحمقا

فلا ذنب يارب السماء على امرئ ........... رأى من ما يشتهي فتزندقا

لكن الشك لديه يجعله مترددا بين الإيمان والكفر ولذا نفاجأ عندما نراه يردد:

سأعبد الله لا أرجو مثوبته ........... لكن تعبد إعظام وإجلال

وعندما ينظر المعري في بعض أحكام الفقه يجد أن هنالك أحكاما لا يقبلها العقل مثل حكم دية اليد إذا قطعت بخمسمائة دينار ذهب وإذا سرق أحد من الناس ربع دينار تقطع يده فيعترض قائلا :

تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له ........... وإن نعوذ بمولانا من النـار

يد بخمس مئين عسجد فُديت ........... ما بالها قُطعت في ربع دينار

ولأنه يعيش في مرحلة الشك فإنه في شوق إلى اليقين بيد أنه هيهات:

أما اليقين فـلا يقين وإنما ........... أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا
أو قوله :

وقد عدم التيقن في زمان ........... حصلنا من حجاه على التظني
بل إن المعري عندما يفكر بعقله ويصطدم مع الشافعي أو مالك فإنه لا يأبه بذلك ويرى أن من حقه أن يجتهد طالما هو قادر على التفكير

وينفر عقلي مغضبا إن تركته ........... سدى وأتبعت الشافعي ومالكا

ويفاجئنا المعري بأن العقل ينكر الأديان السابقة:

هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ........... ويهود حارت والمجوس مضللهْ

اثنان أهل الأرض : ذو عقـل بلا ........... .......... ديــن وآخر ديِّن لا عقل لهْ
وينكر أن يكون آدم واحدا

وما آدم في مذهب العقل واحـد ........... ولكنه عند القيــاس أو آدم

ويشكك المعري في تدين الناس من حوله ويرى أنه تدين متوارث

وينشأ ناشئ الفتيان منــا ........... على ما كان عوّده أبوه

وما دام الفتى بحجى ولكن ........... يـعلمه التدين أقربوه

الشك في الديانات والمذاهب :

لا يسلم دين أو مذهب من نقد المعري والتشكيك في أصوله فاليهودية محرفة والمسيحية لا تقوم على أساس عقلي والحنيفية خرجت عن مسارها والمذاهب جميعها متطاحنة وأن الأديان والمذاهب هي المسئولة عن الصراعات الموجودة في العالم وان الأديان هي تأليف من القدماء فلا أنبياء ولا وحي في رؤية المعري الشكية :

أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما ........... دياناتكم مكرٌ من القدماء وقوله :

ولا تطيعن قوما ما ديانتهم ........... إلا احتيال على أخذ الإتاوات

وإنما حمل التوراة قارئهـا .......... كسب الفوائد لا حب التلاوات

إن الشرائع ألقت بيننا إحنا ........... وأودعتنا أفانين العـــداوات

وقوله :

مسيحية من قبلها موسوية ........... حكت لك أخباراً بعيد ثبوتها

ويسخر المعري من الأيام المقدسة فيقول :

وجدنا اختــــلافا بيننا في إلهنا ........... وفى غيـره عزَّ الذي جل واتحـد

لنا جمعة والسبت يدعى لأمـــة ........ طافت بموسى والنصارى لها الأحد

فهل للبواقي السبعة الزّهر معشر ......... يجلونها ممن تنسك أو جحــــد

تقرب ناس بالمدام وعنـــدنا ........... .. على كل حـال أن شــاربها يُحَد
ويرى أن الأديان قد فشلت في خلق عالم مثالي :

أمور تستخف بها حلوم ........... وما يدرى الفتى لمن الثبور

كتاب محمد وكتاب موسى ........... وإنجيل ابن مريم والزبـور

نهت أمما فما قبلت وبارت ........... نصيحتها فكل القوم بور
وعندما يصل الشك لدى المعري منتهاه يقول :

توافقت اليهود مع النصارى ..............على قتل المسيـح بلا خلاف

وما اصطلحوا على ترك الدنايا .... بل اصطلحوا على شرب السلاف
ويرى أن المسيح لا يكون منطقيا ابنا لله :

عجبـا للمسيــح بين أناس ............. و إلى الله والد نسبوه

أسلمته إلى اليهود النصارى ...........واقروا بأنهم صلبــوه

يشفق الحازم اللبيب على ..........الطفل إذا ما لداته ضربوه

وإذا كان ما يقولون في .......عيسى صحيحا فأين كان أبوه

كيف خلّى وليدَه للأعادي ........... أم يظنون أنهم غلبوه ؟
ويتساءل المعري وهو في قمة شكه أي الأديان هو الصحيح :

في اللاذقية ضجةٌ ........... ما بين أحمد والمسيح

هذا بناقوس يدق ..................وذا بمئـذنة يصيح

كل يعظّم ديـنه ........... ياليت شعري ما الصحيح

وفى شك المعري وتحكيمه للعقل كفيصل وحيد نحو الوصول إلى اليقين يشكك المعري في وجود الوحي :

فلا تحسب مقال الرسل حقا ........... ولكن قول زور سطّروه

وكان الناس في يمنٍ رغيدٍ ........... فجاءوا باالمحال فكدروه

ويشكك في تناسق الأديان ووحدتها بل يشكك في الدين الواحد الذي تتشعب منه المذاهب المتعارضة والمتناقضة على نحو ما نرى في أبيات اللزوميات والتي لا داعي لذكرها هنا وأنه يعيش في شك لأنه لا يرى الهدى وإنما :

دين وكفر وأنباء تقص ............... وفرقان وتوراة وإنجيل

في كل جيل أباطيل ، يدان بها .. فهل تفرد يوما بالهدى جيل ؟

Reta
06-26-2005, 10:53 AM
زوربا...


ماذا يعني انتصار القصيده؟؟؟ وهل فعلا يوجد شعراء ظلمهم الاعلام ؟؟؟
انا براي ان يكن فيلسوفا فهذا لا يكفي .... الشاعر اذا اراد ان ينجح وينطلق ويتالق فانه عليه ان يتقن فن العلاقات العامة هذا راي

وهل لي ان اسامع رايك ...؟ لقد شدني جدا ما ادرجت هنا رفيقي

واذا اردنا ان نتكلم هنا عن شاعر المرأة متلا الذي اعطي المرأة بعدا انسانيا فما هو رايك اكان ايضا فيلسوفا



موضوع رائع زوربا


شكرا لشخصك المميز


ريتــــــــــــــــــــــا

Shahd
07-01-2005, 07:04 PM
عزيزتي ريتا
هلا عدتي معي لتعريف الشعر الذي ادرجته في مشاركتي السابقه؟
حسنا سانقله من جديد:" لا يمكن أن نعتبر الشعر إلا كإشارة للانفتاح الكوني، إشارة للتجوهر الإنساني في العالم، كوجود تأصيلي في الهنا والآن. أن الشعر بقدر ما يبعث التسمية، ويكشف نداءات التكينن بوضع الأشياء منتصبة أمام الرؤية، فتتخذ بعد التمظهر في فضاء التجلي والبينونة، فإنه يخلق ما به يصير الوجود اختفاء باعتباره فعلا للتيه. والتيه "هو مجال فعل ذلك الاضطراب الذي ينسى الإنسان فيه الانفتاح المنغلق".


من هنا ندرك انه لا تنتصر الا القصيدة التى اخترقت الوجود بعد ان جسدت الزمان والمكان، بعد ان جسدت الاحداث بكلمات لا يقوى على ترتيبها الا بارع في النطق والكلام، حاذق في الحس والوصف، الا وهو الشاعر. وحينما يفعل الشاعر هذا يكون قد خرج من دائرة الغاية التي من اجلها كتب الشعر ليرتقي في مصاف الحكملء الذين يبثون كلامهم ليكون اية ، عجبا، انبهارا، شوقا، خيالا، وغير ذلك كثير.....
كل شاعر فيلسوف لما لديه من افكار وكلام منمق فيه من البلاغة ما يعجز عن قوله عامة الناس، ولكن ليس كل فيلسوف شاعرا، لان حكمة الفيلسوف كلمات وافكار طرحها بمنطق الكلام العادي ، بلغة لا يشترط ان تتضمن البلاغة والاعجاز، وهذا لا بد ان يكون اساسا لدى كل شاعر.... الفكرة ... الللغة...البلاغة.... البنيوية... الخيال السردي....الخروج من الغاية الفكرية بعد تجسدها لترتطم بالغاية الشعرية...

اما بخصوص سؤالك عما اذا كان هناك شعراء قد ظلمهم الاعلام ، فاظن انه لا مكان الا وقد وقع به الظلم في هذه الحياه، ولكن لماذا نستسلم ونلقي باللوم على الاعلام سواء في النقد السلبي او التغييب عن ساحة النقد اصلا؟ لماذا لا يكون الشاعر هو المبادر الى فرض نفسه على الاعلام بتميزه وحضوره وجماليه اداءه؟

وعلى اية حال فان عصرنا عصر الشبكة العنكبوته لم يدع في خاطر انسان شيئا الا لباه . واذا كان الشاعر يرى ظلما في حقه ان لم تنشر اعماله فله الحق ان يمتلك لنفسه موقعا ينشر اعماله ويدع القراء حكما لما زرع ، وحكما لما نشر..........