Zurba
03-10-2005, 07:18 PM
توازن النقائض بعد عرفات /
د. عزمي بشارة
بدأت مرحلة ما بعد عرفات في حياته, وقد تكشفت بداياتها في مرحلة محاولة الغرب قطف نتائج حصاره في رام الله وعزلته السياسية بفرض منصب رئيس الحكومة, وتوقع أن يقوم عرفات في حياته بفرض إضفاء الشرعية على خلفائه, مقابل إبقائه على قيد الحياة.. لكن عرفات قاوم القتل السياسي. كان عرفات في السنوات الأخيرة يتمسك بحصرية سيطرته على الأجهزة الأمنية, مدركا أنه في اللحظة التي يرخي فيها قبضته عليها يصبح في عداد الأموات, وقد أدار صراعا مريرا على هذه الجبهة في عاميه الأخيرين, لكن الموت أرخي قبضته عن كل هذا, فهل سوف تسيطر بعده القوى التي صارعته على الإمساك بالأجهزة وعلى غيرها؟ وبكلمات أخرى هل كان عرفات مجرد شخص أو مجرد قشرة خارجية لقوى قائمة في عهده لابد أن تخلفه حال ذهابه متبنية ذات السياسات التي تصارعت معه حولها؟
ليست الإجابة عن هذا السؤال سهلة كما يعتقد الأمريكان والإسرائيليون. في السلطة الفلسطينية تيار سياسي استمد قوته من ارتباطه بعرفات يرى أن الدولة الفلسطينية هي المشروع السياسي وكل ما عدا ذلك تفاصيل, وليس من الواضح علام اختلف هذا التيار مع عرفات في مسألة الثوابت: حق العودة, حدود الرابع من يونيو/حزيران, إزالة المستوطنات.. لكن رسخ في الأذهان أن ياسر عرفات كان أكثر تمسكا بها, لكن حتى لو صح أن هذا التيار يفرط بما تمسك به عرفات, فإنه كان بحاجة إلى ياسر عرفات لتمرير موقفه فلسطينيا, وياسر عرفات غير موجود اليوم, وسيكون عليه أن يختار بين فرض موقفه بالقوة, وهناك شك في قدرته على ذلك, وبين أخذ الوحدة بعين الاعتبار, إن كان ذلك بمعنى التوازنات داخل حركة فتح, وإن كان ذلك بمعنى الحفاظ على الوحدة الوطنية بشكل عام من أي اقتتال داخلي.
لا يستطيع هذا التيار حاليا أن يختار الخيار الأول, لأن شرعيته نابعة من انتمائه الفصائلي لحركة فتح, وللحلقات المقربة من ياسر عرفات داخل حركة فتح, وسوف يكون عليه ترتيب التوازنات, بما فيها المتعلقة بالمناصب والوظائف داخل الحركة, ولا يمكنه أن يتصرف كمحور, مثل المحور الذي نشأ في حينه بين وزير الداخلية ورئيس الحكومة مقابل عرفات عشية وبعد مؤتمر العقبة. المحاور غير واردة حاليا, والاصطفاف بعد عرفات قد تغير لغرض الحفاظ على حركة فتح ككل لمصلحة غالبية المحاور السابقة, ومن يريد أن يتولى القيادة لا يستطيع أن يكون مجرد محور خاصة أن دور الفرد قد انحسر كثيرا بعد عرفات, ولا يستطيع أيضا أن يدخل في مواجهة مسلحة مع حركات المقاومة الفلسطينية من كتائب الأقصى وحتى الجهاد وحماس والشعبية, فآخر ما سوف يتسامح معه الشعب الفلسطيني هو مواجهة مسلحة في ظل الاحتلال. لكن هذا هو بالضبط امتحانه الحالي بنظر شارون في مرحلة فك الارتباط, وهو بالضبط فيما يسميه بوش وبلير التجاوب أمنيا مع المقترحات الإسرائيلية, وما يسميه شارون تفكيك البنى التحتية للإرهاب, وسيحاول هذا التيار الالتفاف حول هذا الامتحان بعدم خوضه, أي بإقناع هذه الفصائل بالهدنة ووقف إطلاق النار من طرف واحد, وسيحاول إقناع كتائب الأقصى بوسائل شتى ليست كلها نظرية, بإنهاء فوضى المظاهر المسلحة. وحتى لو نجح بهذا كله دون أن يقول كلمة واحدة حول موقفه من التسوية, فإن شارون لن يكتفي بهدنة, إنه يصر على مكافحة الإرهاب كشرط حتى لإشراك القيادة الجديدة في مشاورات على عملية فك الارتباط. وسوف تستمر مظاهر الاحتلال من بناء الجدار وتعزيز الاستيطان في الضفة باستفزاز مظاهر المقاومة. هذا من ناحية, ومن ناحية أخري وبعد الهدنة سوف تجد إسرائيل نفسها في مواجهة الأسئلة نفسها التي واجهتها في كامب ديفيد, التي اندحر أمامها اليسار الصهيوني, وحاول أن ينقذ نفسه مع شركاء فلسطينيين في وثيقة جنيف, وأشك إذا ما كان نفس تيار محادثات طابا ووثيقة جنيف القائم في السلطة حاليا قادرا على تمريرها دون ياسر عرفات, أو راغبا بتفتيت الوحدة من أجل أفكار يرفضها شارون ومعسكره كله.
وفي هذه الأثناء يتم تحويل عرفات إلى رمز, والرمز سلاح ذو حدين, سوف يستخدمه مؤيدو التنازل من أجل مشروع الدولة بالمعنى أعلاه, لأنه برأيهم أول من طرح مشروعا واقعيا لإقامة دولة, وتنازل برأيهم عن كل الثوابت مصطدما, ووحدها معضلة السيادة في القدس, وعلى الحرم القدسي تحديدا شكلت عائقا أمام إحراز اتفاق في كامب ديفيد, وسوف يدعي معارضو هذه الخطط في المقابل أن ياسر عرفات قد ثبت على جميع الثوابت في كامب ديفيد وبعدها, انه اختار عن وعي خيار المقاومة بعد كامب ديفيد.
وسوف يستخدم كلا الطرفين اقتباسات متناقضة وطرائف كثيرة وجلسات وذكريات متناقضة عن ياسر عرفات, وسيكون كل ذلك ممكنا لأن مسألة الوحدة الوطنية والديمقراطية في ظلها لم تحسم بعد, فمن يشترط بحق أن توافق المعارضة على برنامج حد أدنى سياسي لكي تحسم مسألة الوحدة الوطنية ولكي تؤهل نفسها لقيادة موحدة يذهب هو نفسه إلى ما هو أدنى من الحد الأدنى المتفق عليه حتى في إطار التسوية, ومن يؤكد حق الوحدة الوطنية لا يعرب عن التزام تجاه برنامج سياسي واستراتيجية موحدة, ويساعد بذلك الطرف الأول على التحلل من هم الوحدة, كما يساعد على اعتبار النضال مجرد حالة فوضى يسهل ترويج الشعور بضرورة وضع حد لها في أوساط معينة تريد أن تنجح في امتحان شارون وبوش, لا أحد يقول طبعا إنه ضد المقاومة, يقولون إنهم ضد الفوضى.
بالنسبة لمن لا يعارض المقاومة يجب أن يكون الاستنتاج أن تنظم المقاومة صفوفها, وتوحد استراتيجيتها لتنتهي حالة الفوضى ولتأخذ المقاومة في إيقاعها وأساليبها الظرفين المحلي والدولي بعين الاعتبار, ومن أجل ذلك يجب أن تنتظم القوى المعارضة للطرح الأمريكي ـ الإسرائيلي أيضا خلف برنامج سياسي. عندها فقط سيظهر أن التنازل والتفريط بالحقوق يشكل حالة فوضى وتفرد في صنع القرار وتخليا عن الديمقراطية الوحيدة الممكنة في حركة تحرر وطني, التعددية في ظل أجندة وطنية موحدة توحد قوى الشعب خلف هدف التحرر.
مصافحتي
د. عزمي بشارة
بدأت مرحلة ما بعد عرفات في حياته, وقد تكشفت بداياتها في مرحلة محاولة الغرب قطف نتائج حصاره في رام الله وعزلته السياسية بفرض منصب رئيس الحكومة, وتوقع أن يقوم عرفات في حياته بفرض إضفاء الشرعية على خلفائه, مقابل إبقائه على قيد الحياة.. لكن عرفات قاوم القتل السياسي. كان عرفات في السنوات الأخيرة يتمسك بحصرية سيطرته على الأجهزة الأمنية, مدركا أنه في اللحظة التي يرخي فيها قبضته عليها يصبح في عداد الأموات, وقد أدار صراعا مريرا على هذه الجبهة في عاميه الأخيرين, لكن الموت أرخي قبضته عن كل هذا, فهل سوف تسيطر بعده القوى التي صارعته على الإمساك بالأجهزة وعلى غيرها؟ وبكلمات أخرى هل كان عرفات مجرد شخص أو مجرد قشرة خارجية لقوى قائمة في عهده لابد أن تخلفه حال ذهابه متبنية ذات السياسات التي تصارعت معه حولها؟
ليست الإجابة عن هذا السؤال سهلة كما يعتقد الأمريكان والإسرائيليون. في السلطة الفلسطينية تيار سياسي استمد قوته من ارتباطه بعرفات يرى أن الدولة الفلسطينية هي المشروع السياسي وكل ما عدا ذلك تفاصيل, وليس من الواضح علام اختلف هذا التيار مع عرفات في مسألة الثوابت: حق العودة, حدود الرابع من يونيو/حزيران, إزالة المستوطنات.. لكن رسخ في الأذهان أن ياسر عرفات كان أكثر تمسكا بها, لكن حتى لو صح أن هذا التيار يفرط بما تمسك به عرفات, فإنه كان بحاجة إلى ياسر عرفات لتمرير موقفه فلسطينيا, وياسر عرفات غير موجود اليوم, وسيكون عليه أن يختار بين فرض موقفه بالقوة, وهناك شك في قدرته على ذلك, وبين أخذ الوحدة بعين الاعتبار, إن كان ذلك بمعنى التوازنات داخل حركة فتح, وإن كان ذلك بمعنى الحفاظ على الوحدة الوطنية بشكل عام من أي اقتتال داخلي.
لا يستطيع هذا التيار حاليا أن يختار الخيار الأول, لأن شرعيته نابعة من انتمائه الفصائلي لحركة فتح, وللحلقات المقربة من ياسر عرفات داخل حركة فتح, وسوف يكون عليه ترتيب التوازنات, بما فيها المتعلقة بالمناصب والوظائف داخل الحركة, ولا يمكنه أن يتصرف كمحور, مثل المحور الذي نشأ في حينه بين وزير الداخلية ورئيس الحكومة مقابل عرفات عشية وبعد مؤتمر العقبة. المحاور غير واردة حاليا, والاصطفاف بعد عرفات قد تغير لغرض الحفاظ على حركة فتح ككل لمصلحة غالبية المحاور السابقة, ومن يريد أن يتولى القيادة لا يستطيع أن يكون مجرد محور خاصة أن دور الفرد قد انحسر كثيرا بعد عرفات, ولا يستطيع أيضا أن يدخل في مواجهة مسلحة مع حركات المقاومة الفلسطينية من كتائب الأقصى وحتى الجهاد وحماس والشعبية, فآخر ما سوف يتسامح معه الشعب الفلسطيني هو مواجهة مسلحة في ظل الاحتلال. لكن هذا هو بالضبط امتحانه الحالي بنظر شارون في مرحلة فك الارتباط, وهو بالضبط فيما يسميه بوش وبلير التجاوب أمنيا مع المقترحات الإسرائيلية, وما يسميه شارون تفكيك البنى التحتية للإرهاب, وسيحاول هذا التيار الالتفاف حول هذا الامتحان بعدم خوضه, أي بإقناع هذه الفصائل بالهدنة ووقف إطلاق النار من طرف واحد, وسيحاول إقناع كتائب الأقصى بوسائل شتى ليست كلها نظرية, بإنهاء فوضى المظاهر المسلحة. وحتى لو نجح بهذا كله دون أن يقول كلمة واحدة حول موقفه من التسوية, فإن شارون لن يكتفي بهدنة, إنه يصر على مكافحة الإرهاب كشرط حتى لإشراك القيادة الجديدة في مشاورات على عملية فك الارتباط. وسوف تستمر مظاهر الاحتلال من بناء الجدار وتعزيز الاستيطان في الضفة باستفزاز مظاهر المقاومة. هذا من ناحية, ومن ناحية أخري وبعد الهدنة سوف تجد إسرائيل نفسها في مواجهة الأسئلة نفسها التي واجهتها في كامب ديفيد, التي اندحر أمامها اليسار الصهيوني, وحاول أن ينقذ نفسه مع شركاء فلسطينيين في وثيقة جنيف, وأشك إذا ما كان نفس تيار محادثات طابا ووثيقة جنيف القائم في السلطة حاليا قادرا على تمريرها دون ياسر عرفات, أو راغبا بتفتيت الوحدة من أجل أفكار يرفضها شارون ومعسكره كله.
وفي هذه الأثناء يتم تحويل عرفات إلى رمز, والرمز سلاح ذو حدين, سوف يستخدمه مؤيدو التنازل من أجل مشروع الدولة بالمعنى أعلاه, لأنه برأيهم أول من طرح مشروعا واقعيا لإقامة دولة, وتنازل برأيهم عن كل الثوابت مصطدما, ووحدها معضلة السيادة في القدس, وعلى الحرم القدسي تحديدا شكلت عائقا أمام إحراز اتفاق في كامب ديفيد, وسوف يدعي معارضو هذه الخطط في المقابل أن ياسر عرفات قد ثبت على جميع الثوابت في كامب ديفيد وبعدها, انه اختار عن وعي خيار المقاومة بعد كامب ديفيد.
وسوف يستخدم كلا الطرفين اقتباسات متناقضة وطرائف كثيرة وجلسات وذكريات متناقضة عن ياسر عرفات, وسيكون كل ذلك ممكنا لأن مسألة الوحدة الوطنية والديمقراطية في ظلها لم تحسم بعد, فمن يشترط بحق أن توافق المعارضة على برنامج حد أدنى سياسي لكي تحسم مسألة الوحدة الوطنية ولكي تؤهل نفسها لقيادة موحدة يذهب هو نفسه إلى ما هو أدنى من الحد الأدنى المتفق عليه حتى في إطار التسوية, ومن يؤكد حق الوحدة الوطنية لا يعرب عن التزام تجاه برنامج سياسي واستراتيجية موحدة, ويساعد بذلك الطرف الأول على التحلل من هم الوحدة, كما يساعد على اعتبار النضال مجرد حالة فوضى يسهل ترويج الشعور بضرورة وضع حد لها في أوساط معينة تريد أن تنجح في امتحان شارون وبوش, لا أحد يقول طبعا إنه ضد المقاومة, يقولون إنهم ضد الفوضى.
بالنسبة لمن لا يعارض المقاومة يجب أن يكون الاستنتاج أن تنظم المقاومة صفوفها, وتوحد استراتيجيتها لتنتهي حالة الفوضى ولتأخذ المقاومة في إيقاعها وأساليبها الظرفين المحلي والدولي بعين الاعتبار, ومن أجل ذلك يجب أن تنتظم القوى المعارضة للطرح الأمريكي ـ الإسرائيلي أيضا خلف برنامج سياسي. عندها فقط سيظهر أن التنازل والتفريط بالحقوق يشكل حالة فوضى وتفرد في صنع القرار وتخليا عن الديمقراطية الوحيدة الممكنة في حركة تحرر وطني, التعددية في ظل أجندة وطنية موحدة توحد قوى الشعب خلف هدف التحرر.
مصافحتي