Reta
03-09-2005, 11:29 PM
الديموقراطية كهمّ راهن / د.عزمي بشارة
في خضم طرح مسألة الديموقراطية في إطار جدلية الداخل والخارج تضيع أحيانا الفروق الجوهرية بين عملية بناء وتأسيس الديموقراطية وعملية إعادة انتاجها لذاتها بعد أن تأسست واصبحت قادرة على ذلك. وما يساهم في طمس الفروق أن الديموقراطية تصلنا جاهزة بعد تطور مئات السنين، مما يشجع البعض على التوهم بأنه ليس بحاجة الى تأسيسها ولا حتى الى تأسيس العناصر المكونة والآليات الاقتصادية اللازمة لاعادة انتاجها يوميا. وكأن الانتقال الى الموقف الديموقراطي هو انتقال من خيار استهلاكي الى خيار استهلاكي آخر، الى بضاعة أخرى رائجة، لا تأسيس ولا اعادة انتاج. ومن ناحية أخرى فإن ورود الديموقراطية الى المنطقة العربية جاهزة يعني أنه لا يمكن تخيل العودة من جديد على بداياتها بحق اقتراع غير معمم الا لفئة صغيرة مثلا ثم تعميمها تدريجيا، كما حصل في بريطانيا وفي فرنسا وغيرها عبر تاريخ ديموقراطيات تلك البلدان. لا أحد يستطيع اليوم تخيل ديموقراطية دون حق اقتراع عام يمارسه حتى غير الديموقراطيين ودون حقوق لبرالية وحريات تستفيد منها حتى قوى غير لبرالية.
ولكن وصول الديموقراطية الينا جاهزة لا يبرر لدعاة الديموقراطية التعامل معها كأنها "فاست فود" أو تقليعة، كما لا يصح الاعتقاد أنه لا توجد لدينا تجربة نبني عليها، فلا اللبرالية العربية بين الحربين العالميتين كلها أخطاء وارتباط بالاستعمار، ولا القومية الراديكالية من الخمسينات والستينات كلها أخطاء. فقد احتوت بعض عناصر الديموقراطية في ظل أنظمة غير ديموقراطية، ومنها اشراك الجماهير في السياسة وتعميم التعليم، وتعميم توقع المساواة والعدالة الاجتماعية. وقد قاد الأخير في ظل عدم تلبيته إلى حركات غير ديموقراطية في كثير من الحالات التي تحول فيها المجتمع الجماهيري الى ترييف مدينة لم تستوعبه. ولكن الحركات الديموقراطية الحالية تستطيع ان تستند ايضا الى هذه القيم المتأصلة جماهيريا بفعل تأثير تيارات الخمسينيات والستينيات. فهذه تقاليد وتجارب راكمها مناضلون كانت لديهم نية حسنة على الأقل، وآمنوا فعلا بالمساواة والحرية وإشراك الجماهير ولكنهم انتهوا الى بناء أنظمة غير ديموقراطية.
لا شك أن عملية اعادة انتاج الديموقراطية في البدان المتطورة وتعميمها من النخبة الى عامة الناس واختلاطها بالإعلام والثقافة الجماهيرية وثورة الاتصالات قد انتجت ظواهر من التعفن السياسي تلته مظاهر التعب من السياسة والعزوف عنها وبحث الشباب عن معنى لحياتهم خارج الحيز السياسي. كما ارتبطت صورة العمل السياسي بالتآمر الحزبي والوظائف والانتهازية النفعية وتغير السياسات والمبادئ قبل وبعد الانتخابات وقبل وبعد ولوج الائتلافات، وتحويل الانتخابات الى كرنفال والبرلمان الى سيرك، والمشهدية وحب الظهور والمكاوعة، (التسابق على الكاميرا وعلى الصف الأول بالدفع بالاكواع) والتنافس دون قواعد أخلاقية ضابطة، واستئصال العمود الفقري الأخلاقي من شخصية السياسي بعملية جراحية تجرى عشية ولوج عالم السياسة، والفصل بين الأخلاق والسياسة، وبين الأخلاق الخاصة والعامة...الخ.
ويعرف هذه الظواهر ويعاني منها كل من عمل في السياسة البرلمانية وحافظ على حد أدنى من الحساسية، كما يعرفها كل من راقب العلاقة البورنوغرافية القائمة بين الإعلام التجاري والسياسة والتواطؤ بينهما...وكلها ظواهر من الديموقراطية المتأخرة القادرة على الاستمرار دون ديموقراطيين لأنها ترسخت كتقاليد ومؤسسات تستوعب غير الديموقراطيين من صغار السياسيين وممتهني السياسة، وبإمكانها تحمل المطابقة بين الواقعي والانتهازي، ومرادفة النفعية البراغماتية بالانتفاع والتنفع، وبوسعها تحمل اعتبار ال"ريال بوليتيك" نوعا من قابلية السياسي أن يسير على جثث ( مادية أو معنوية) نحو هدفه دون أن يرمش له جفن، واعتبارها موهبة وربما حتى فضيلة وميزة، كما أن بامكانها تحمل اعتبار اخضاع اي قضية مهما كان شأنها لحب الظهور موهبة إعلامية.
لم تكن هذه أخلاق ولا مرحلة ولا نفسية الديموقراطيين المؤسسين أمثال توماس جفرسون أو بنجامين فرانكلين أو دانتون او مازيني او لويس بلانك او أوجست بلانكي أو ماركس أو قادة الشارتيين وغيرهم من الديموقراطيين الراديكاليين الذين شقوا طريق الديموقراطيات الحديثة كحكم الأغلبية ولو كانت غير لبرالية، ولا كانت هذه أخلاق اللبراليين الاوائل الذين لم يهتموا بحكم الأغلبية بقدر ما اهتموا بالدفاع عن قيم الحرية والملكية الخاصة، ولو في إطار حكم الأقلية. نقول ذلك دون تصديق اسطورتهم، فقد كانوا بشرا يؤمنون بقيم تبدو لنا اليوم رجعية ومحافظة، كما أن بعضهم كان يناقض مبادئه في حياته الشخصية، وتكشف الأبحاث عن تناقضات هائلة في سلوكهم. ولكنهم كانوا جميعا أصحاب رؤيا راديكالية لا تشتق قيمها من موازين القوى لا المحلية ولا العالمية، ولا تتبنى الديموقراطية كشعار دولي لان المصلحة باتت تقتضي ذلك. نحن نتحدث عن اناس رأوا في إصلاح النظام السياسي جزء من تصورهم للعدل والإنصاف في المجتمع. وكانوا سيبدون غير واقعيين، بل رومانسيين في ايامنا التي يتخذ فيها الديموقراطي شكل "اليابيز". وبهذا المعنى نحن نتحدث عن ثوريين في بنيتهم الأخلاقية، وليس عن سياسيين من النوع الذي ينتقل الى الموقف الديموقراطي لانه يرى في ذلك مصلحة آنية دون أن يؤمن للحظة بالموقف الديموقراطي في إطار نضال من اجل مجتمع اكثر إنصافا وأكثر عقلانية، ودون أن يؤمن بالمساواة بين المواطنين كقيمة.
قد تنتهي الديموقراطيات الى ان تصبح الديموقراطية كفكرة مسألة مؤسسات قائمة وراسخة تتم إعادة انتاجها، ونخبة ديموقراطية فعلا تحافظ عليها من طوفان الثقافة الجماهيرية غير الديموقراطية، وقد تتحمل الديموقراطية في مراحلها المتأخرة مواقف غير ديموقراطية عند السياسيين الا بالمعنى الانتهازي وذلك ضمن مؤسسات راسخة وبوجود نخبة ديموقراطية في السياسة والجامعات وفي غابة إعلامية لا تمت لقيم الديموقراطية بصلة. ولكني لا اعتقد انه يمكن البدء ببناء ديموقراطية بهذه النفسيات التي انتهت اليها الديموقراطية المتأخرة، فما كان بإمكان سياسيي اليوم الانتهازيين في الغرب، من أمثال بوش الى أصغر مهني حزبي وكاتب خطابات، بناء أي ديموقراطية.
وبهذا المعنى فإن نموذج هوجو شافيز وحسن نصرالله ولولا في البرازيل هذه الايام مثلا اقرب في بنيته الأخلاقية، وليس في افكاره او أهدافه، الى ثورية الديموقراطيين المؤسسين من سياسيين يناط بهم أمريكيا أو يريد أن تناط بهم مسألة بناء الديموقراطية في الشرق الاوسط الكبير ولا حاجة لتعداد الاسماء.
أرى قلة من الديموقراطيين وشحة في النفسيات الإصلاحية في الحركة التي تتكيف حاليا مع الضغط الامريكي للحفاظ على حكم نفس النخب في المنطقة. والمسألة ليست مسألة كاريزما إطلاقا. الكاريزما فعلا غير موجودة، ولكن ليس نقصها هو المثير. فقد رأينا في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم الثالث كارزميين كثيري الألوان وشديدي الغرابة جذبوا الصحافيين والصحافيات لمقابلات مثيرة ولكنهم لم يبقوا حجرا على حجر في مجتمعاتهم ولا حتى مما بناه الاستعمار فيها من مظاهر عمرانية. لا حاجة لكاريزما الزعماء الغريببي الأطوار. المزعج وجوديا هو غياب الرؤيا، وغياب التطلع إلى مجتمع أكثر عدلا، وغياب الحماس للعدل والإنصاف الذي ميز دعاة بناء الديموقراطية حيث لم تكن موجودة. يبدأ عندنا البعض ديموقراطيته بالانحلال الذي يميز سياسيي الصفقات والائتلافات الحزبية التي تميز مراحل متأخرة من الديموقراطية.
لا يعقل ان يتم في مرحلة التأسيس التعامل مع الديموقراطية بمصطلحات جاهزة من خطابات جورج بوش وكتبتها الأصوليين، وأن تستهلك كما يستهلك الهامبورجر او الكوكا كولا، وان يسمى المستهلك المجتهد في جمع الكوبونات والمقارنة بين محل مكدونالدز وآخر وبين "مول" وآخر فتح حديثا ديموقراطيا.
ما وجه الديموقراطية في توجيه النصائح للفلسطينيين للتخلي عن حقوقهم؟ من ينصح بذلك هو ليس نمط السياسيين الذي يؤسس للديموقراطية. يقف الديموقراطي المؤسس عند الحقوق ويتمسك بها، وينتفض ضد الظلم، ويرفض فرض القوة بدل إحقاق الحق، ويرى أصلا تناقضا أخلاقيا بين الحق والقوة، كما رأته هنا ارندت مثلا في أطروحتها عن العنف.
ليس الديموقراطي مجرد سياسي مهني في إطار ديموقراطي يبحث عن مصلحته أو مصلحة حزبه بموجب موازين القوى القائمة، فيؤيد قرار الأغلبية الإسرائيلية الديموقراطية مثلا بشأن مستقبل الفلسطينيين، أو يؤيد حق المرأة بالمساواة بما في ذلك حقها في قيادة طائرة تقصف ايضا الفلسطينيين مثل الرجل. هذه ديموقراطية شكلا، ولكنها تقوم على قيم تكريس قمع واحتلال شعب آخر وتكريس القيم العسكرية التي تكرس دونية المرأة. ليس الديموقراطي هو من يعتبر كلام شارون، الرافض للانسحاب ولتنفيذ قرارات مجلس الأمن، خطوة الى الامام لانه يتضمن فك ارتباط في قطاع غزة في حين ليس لديه كلمة ايجابية يقولها عن دولة درست الوضع في دولة مجاورة في سياقه الدولي الجديد وقررت سحب قواتها بالكامل من هناك رغم أن قواتها موجودة ضمن اتفاق بين دولتين سياديتين. الديموقراطي في مرحلة التأسيس هو فرد يؤمن بالقيم الديموقراطية ولا يعتبرها حصيلة تبدل مصلحة أو مزاج القوي في عالمنا.
يقول الامريكي الذي تحول من راعي بقر الى راعي الديموقراطية في خطابه الأخير من يوم 8 آذار امام جامعة الأمن القومي "فورت ليسلي ماكنير" إن الانتخابات البلدية في السعودية هي مبشر بالديموقراطية وخطوة الى الامام(عال، عظيم، ممتاز،مبروكن هنيئا) كما يرى أن الانتخابات الفلسطينية خطوة للتحرر الفلسطيني من "ارث العنف والفساد" الفلسطيني، وليس من الاحتلال الاسرائيلي (هنيئا مرة اخرى ومرحى، وطوبى للمصوتين لانهم يرثون الارض)، ويرى ايضا ان انتفاضة اللبنانيين ضد الوجود السوري هي انتفاضة من اجل الديموقراطية تندرج ضمن انجازات الحرب الأمريكية على الإرهاب التي خصص الخطاب لتعدادها. هل لاحظت عزيزي القارئ ان بوش فطن في خطاب الثامن من آذار الجاري بقدرة قادر أن يدرج في خطابه عملية ضد قواعد المارينز في بيروت من العام 1983 وأن يذكرها بنفس واحد مع عملية 11 ايلول بعد ذلك بسبعة عشر عاما وبعمليات التفجير ضد السفارات الامريكية في افريقيا؟ نقطة للتفكير.
وكنا قبل سنوات نذكره بلبنان الذي لم يذكره في اي من خطاباته ولا حتى كمثل على احتمالات وآفاق وبراعم الديموقراطية المبشرة في العالم العربي. فجأة تذكر بوش لبنان بين عملية مقاومة ضد المارينز اعتبرها من نوع عمليات القاعدة واحتجاج لبناني مشروع اعتبر من نوع الثورات المخملية. لقد قص بوش في خطابه تناقضات لبنان الحيوية واختلافاته وتنوعه على مقاسه وأختزلها الى النموذج الامريكي في الخير والشر.
ولكن أليس على اي ديموقراطي عربي أن يذكره ان مظاهرة بحجم مظاهرة القوى الوطنية اللبنانية في نفس يوم خطابه تتجمع وتتفرق دون فوضى مئات الأمتار من موقع مظاهرة مناقضة وتمر دون عنف ودون تدخل بوليس وفي مرحلة ازمة حكم هي دليل على انه في هذا البلد تتوفر ثقافة ديموقراطية وجدت قبل ان يتشرف هو بذكر لبنان في خطاباته بهذا الشكل التخريببي الذي يؤسس لفتنة؟ انها وظيفة الديموقراطيين العرب ان يذكروه بذلك. عكست تظاهرات المعارضة والقوى الوطنية اللبنانية ثقافة ديموقراطية. ولا اعتقد ان مظاهرات بهذا الحجم، وفي مثل هذا الاستقطاب السياسي والاجتماعي، كانت سوف تمر بسلام وبدون غاز مسيل للدموع وجرحى وقتلى في اسرائيل الديموقراطية.
لم تنبت الثقافة الديموقراطية اللبنانية من بذرة بذرها تدخل أمريكا في العراق، ولا من خطاب بوش، ولا بعد القرار 1559، بل كانت موجودة يعيبها التوازن الطائفي والسلالات العائلية وضعف المواطنة مفهوما وممارسة، وتدخل المخابرات في الحياة السياسية وغير السياسية بتواطؤ من قبل المجتمع، نعم، بتواطؤ من تنوع الطوائف والزعامات والسلالات غير الديموقراطي، والتعدد غير الديموقراطي القائم، واستسهال البحث عن عملاء بدل حلفاء أحيانا. وقد استفادت المعارضة اللبنانية من تقاليد ديموقراطية قائمة، ولم تؤسس هي لها كما حصل في ربيع براغ أو انتفاضات جورجيا واوكرانيا وغيرها، كما استفاد منها مؤيدو المقاومة والتحالف مع سوريا في لبنان في تظاهرتهم الجبارة. من الطبيعي الا يذكر بوش ذلك لانه ليس ديموقراطيا، رغم أنه قرأ كتاب ناتان (اناتولي) شيرانسكي واصبح أحد مصادره عن الديموقراطية. ولكن الا يجدر ببعض الديموقراطيين العرب تذكيره بهذه الوقائع والحقائق اللبنانية هذه كانوا فعلا ديموقراطيين؟ هذا واجبنا. تفترض هذه الإرادة رغبة الديموقراطيين العرب بالاستناد الى شرعية جماهيرية، كما تفترض رغبة بدمقرطة الثقافة السياسية الشعبية بواسطة تقريب هم الديموقراطية من هموم الجماهير. ولكن النفسيات المنتشرة عند البعض تستند الى موازين القوى الدولية والأجندة الأمريكية، وتأمل أن تنعكس هذه الأجندة على ساحتها المحلية دون ان يكون لديها مشروع ديموقراطي متعلق بمستقبل البلد، ودون رؤيا شاملة تحررية تشمل فيما تشمل التمسك بمبادئ العدل والإنصاف.
تستطيع ايران إن شاءت أن تصرخ انه ليس لديها سلاحًا نوويًا ولا تنوي انتاجه ويرد العالم مع امريكا أنها تريد انتاجه، يؤكد كيم ال سونغ المجنون المنحرف السفاح ويقسم أغلظ الايمان مؤكدا أن لديه سلاحًا نوويًا، وتجزره استراليا باسم امريكا بأنه كاذب ولا يملك سلاحا نوويا. ويؤكد الرئيس السوري ان قرار 1559 هو قرار سيء ومخالف لميثاق الامم المتحدة كونه صدر من دون تهديد للسلام والامن الدوليين كما ان أيًا من الأطراف صاحبة الشأن لم يتوجه طالبا مساعدة مجلس الامن، وانه مع ذلك لا يريد تضييع وقت احد في مناقشة مدى انصاف هذا القرار وعدالته، لأنه لا توجد عدالة ولا يوجد قانون دولي فعلا في عالمنا، وأنه سوف ينفذ الشق المتعلق بسوريا منه رغم ذلك كله. ولا ترد أمريكا ولا حتى بمديح للبراغماتية او الواقعية أو العقلانية التي ارتاح لها شعبه على الاقل، ناهيك عن تجاوب المجتمع اللبناني مع هذا الأسلوب، بل تؤكد أمريكا انها انصاف حلول ومناورات سورية، وليست حتى خطوة ايجابية تنتظر المزيد كما اعتادت أمريكا ان تقول. مجرد كلام عدائي عدواني. فسوريا مستهدفة إسرائيليا وبالتالي أمريكيا. وحتى لو دخلت ديرا فرانسيسكانيا سوف يلحقها شارون وبوش مطالبا ان تلغي نفسها على كرسي الاعتراف. ويستطيع شارون، وهو مجرم حرب معروف، ان يقول بالصوت والصورة انه لا يريد، لا يريد، لا يريد تنفيذ قرارات مجلس الامن بشأن احتلال اسرائيل لاراض سورية وتستطيع امريكا أن ترد على الرفض بأجمل منه وبأن تصريحه مع ذلك يشكل تقدما الخ. هكذا يبدو الجانب المظلم من عالم مارثا ستيوارت التي تنشغل امريكا بها حاليا، عالم الاستهلاك الإعلامي وعالم جورج بوش ورامسفيلد وكوندليزا رايس وبقية البلطجيين. حسنا، ولكن صوت الديموقراطي العربي المؤسس هو الذي يجب ان يبرز في مثل هذه الحالة كصوت العدالة، صوت رفض منطق قرار 1559.
يطالب وزير عربي سوريا من تل ابيب بتنفيذ القرار 1559 فورا وبدون تأجيل. وهو اكثر مما يطالب به كوفي انان، ولا يتضمنه نص القرار. يطالب بذلك من تل ابيب التي ترفض فورا وبدون تأجيل تنفيذ اي من قرارات مجلس الامن، وتحتل فورا وبدون تأجيل أراضي عربية، وتنكل بشعب عربي وتبني جدارا اجراميا خلافا لقرارات المحكمة الدولية، ولا توحد البلد كما فعل الجيش السوري بل تقسمها، ولا تبني او تحمي عملية بناء بل تهدم ما كان مبنيا في فلسطين حتى قدومها. فأين الصوت العربي الديموقراطي الذي يعترض بقوة على هذا الكلام في هذا الموقع. يفترض الا يترك الديموقراطي معارضة مداهنة اسرائيل الشارونية والا يترك رفض هذه الانتقائية في تنفيذ أضعف قرارات مجلس الأمن وأقلها شرعية، للاصوليين غير الديموقراطيين. مثلما لا يفترض ان يعتبر الديموقراطي القضايا الوطنية مجرد شعارات اذا اراد ان يبني ديموقراطية وطنية ذات شرعية شعبية.
هنالك عطب بنيوي يجعل الديموقراطية العربية تبدو كأنها مستوردة كنوع من "الفاست فود" لابناء الرجوازية الوسطى واليابيز من كافة الانواع الذين يعتقدون بكل التواضع المطلوب أنهم يعرفون "كيف يدار العالم" و "كيف تسير الامور" أو "كيف الدنيا ماشية" بمنطق المدراء العامين وال"سي اي او" CEO . ولو سألهم شخص متواضع ان يفسروا له سر ادارة العالم لقالوا كلاما لا يقوله ديموقراطي، من نوع الدنيا مصالح ويجب ان يبحث كل حاكم عن مصلحته. ولكنهم لم يبنوا ولن يبنوا ديموقراطية من اي نوع. استطاعوا سابقا التعايش مع اي ديكتاتورية ترضى عنهم وعن مسار اعمالهم، وترضى عنها أمريكا حاليا ولاحقا يستطيعون التعايش مع ديكور وإكسسوار إصلاحي. ويستطيعون التعايش مع أي ظلم اجتماعي ومع تعددية طائفية وتوازنات طائفية ودون مواطنة حقيقية.
هكذا تم عن قصد تسويق تحرك مهم فعلا في الشارع اللبناني كأنه ثورة مخملية وتحرك آخر أكبر منه ولا يقل عنه مخملية تم تجاهله في خطاب بوش كأنه لم يكن. اين الديموقراطي العربي في هذه الحالة من هذا التقسيم النوعي للأكثرية كأقلية وللأقلية كأكثرية؟
ثم لا يستطيع الديموقراطي العربي ان يصمت بتواطؤ على جريمة اعتبار الاكثريات هي الاكثريات الطائفية والأقليات هي الاقليات الطائفية او العرقية او المذهبية بتجاهل تام للمواقف او الأفكار او البرامج المتطرقة لمصلحة ومستقبل المجتمع ككل وبتركيز على هوية السياسي وانتمائه. ومع ذلك يسود الصمت. ويتم الاستئساد والإستقواء بالموقف الامريكي. وتكفي وجهة دعم الامريكان لتحديد هوية القوى الآخذة بالافول تاريخيا، القوى التي تؤمن بالشعارات الرنانة والطنانة التي عافها الناس من جهة، وهوية القوى الصاعدة الشبابية الربيعية المخملية، وهذه طبعا ليست شعارات رنانة ولا طنانة. أما مسألة مدى ديموقراطية أي من المواقف فتتحول الى مسألة جانبية مقابل المشهد الذي انفعلت منه حتى اسرائيل التي لا تصدق ان شيئا كهذا ممكن في دولة عربية. وما ان استكمل المشهد بجماهير مسالمة ولكن بأعداد أكبر وتنوع طبقي أكبر خلف شعارات مناهضة لاسرائيل وأمريكا حتى تم تجاهله، وأطلقت عليه تسميات أخرى من نوع تظاهرة الموالين لسوريا، تظاهرة حزب الله، لا ربيع ولا مخمل ولا خمائل.
الطريق الى الديموقراطية تمر من هنا. من الدفاع عن هؤلاء المتظاهرين في وجه بوش الذي يصر على اعتبارهم استمرارا للعملية ضد المارينز. الطريق الى الديموقراطية تمر عبر التلاقي المخملي الربيعي مع هموم الناس من مختلف الطبقات، ومن ضمنها الهم الوطني.
ريتـــــــــــــــــــــــــــــا
في خضم طرح مسألة الديموقراطية في إطار جدلية الداخل والخارج تضيع أحيانا الفروق الجوهرية بين عملية بناء وتأسيس الديموقراطية وعملية إعادة انتاجها لذاتها بعد أن تأسست واصبحت قادرة على ذلك. وما يساهم في طمس الفروق أن الديموقراطية تصلنا جاهزة بعد تطور مئات السنين، مما يشجع البعض على التوهم بأنه ليس بحاجة الى تأسيسها ولا حتى الى تأسيس العناصر المكونة والآليات الاقتصادية اللازمة لاعادة انتاجها يوميا. وكأن الانتقال الى الموقف الديموقراطي هو انتقال من خيار استهلاكي الى خيار استهلاكي آخر، الى بضاعة أخرى رائجة، لا تأسيس ولا اعادة انتاج. ومن ناحية أخرى فإن ورود الديموقراطية الى المنطقة العربية جاهزة يعني أنه لا يمكن تخيل العودة من جديد على بداياتها بحق اقتراع غير معمم الا لفئة صغيرة مثلا ثم تعميمها تدريجيا، كما حصل في بريطانيا وفي فرنسا وغيرها عبر تاريخ ديموقراطيات تلك البلدان. لا أحد يستطيع اليوم تخيل ديموقراطية دون حق اقتراع عام يمارسه حتى غير الديموقراطيين ودون حقوق لبرالية وحريات تستفيد منها حتى قوى غير لبرالية.
ولكن وصول الديموقراطية الينا جاهزة لا يبرر لدعاة الديموقراطية التعامل معها كأنها "فاست فود" أو تقليعة، كما لا يصح الاعتقاد أنه لا توجد لدينا تجربة نبني عليها، فلا اللبرالية العربية بين الحربين العالميتين كلها أخطاء وارتباط بالاستعمار، ولا القومية الراديكالية من الخمسينات والستينات كلها أخطاء. فقد احتوت بعض عناصر الديموقراطية في ظل أنظمة غير ديموقراطية، ومنها اشراك الجماهير في السياسة وتعميم التعليم، وتعميم توقع المساواة والعدالة الاجتماعية. وقد قاد الأخير في ظل عدم تلبيته إلى حركات غير ديموقراطية في كثير من الحالات التي تحول فيها المجتمع الجماهيري الى ترييف مدينة لم تستوعبه. ولكن الحركات الديموقراطية الحالية تستطيع ان تستند ايضا الى هذه القيم المتأصلة جماهيريا بفعل تأثير تيارات الخمسينيات والستينيات. فهذه تقاليد وتجارب راكمها مناضلون كانت لديهم نية حسنة على الأقل، وآمنوا فعلا بالمساواة والحرية وإشراك الجماهير ولكنهم انتهوا الى بناء أنظمة غير ديموقراطية.
لا شك أن عملية اعادة انتاج الديموقراطية في البدان المتطورة وتعميمها من النخبة الى عامة الناس واختلاطها بالإعلام والثقافة الجماهيرية وثورة الاتصالات قد انتجت ظواهر من التعفن السياسي تلته مظاهر التعب من السياسة والعزوف عنها وبحث الشباب عن معنى لحياتهم خارج الحيز السياسي. كما ارتبطت صورة العمل السياسي بالتآمر الحزبي والوظائف والانتهازية النفعية وتغير السياسات والمبادئ قبل وبعد الانتخابات وقبل وبعد ولوج الائتلافات، وتحويل الانتخابات الى كرنفال والبرلمان الى سيرك، والمشهدية وحب الظهور والمكاوعة، (التسابق على الكاميرا وعلى الصف الأول بالدفع بالاكواع) والتنافس دون قواعد أخلاقية ضابطة، واستئصال العمود الفقري الأخلاقي من شخصية السياسي بعملية جراحية تجرى عشية ولوج عالم السياسة، والفصل بين الأخلاق والسياسة، وبين الأخلاق الخاصة والعامة...الخ.
ويعرف هذه الظواهر ويعاني منها كل من عمل في السياسة البرلمانية وحافظ على حد أدنى من الحساسية، كما يعرفها كل من راقب العلاقة البورنوغرافية القائمة بين الإعلام التجاري والسياسة والتواطؤ بينهما...وكلها ظواهر من الديموقراطية المتأخرة القادرة على الاستمرار دون ديموقراطيين لأنها ترسخت كتقاليد ومؤسسات تستوعب غير الديموقراطيين من صغار السياسيين وممتهني السياسة، وبإمكانها تحمل المطابقة بين الواقعي والانتهازي، ومرادفة النفعية البراغماتية بالانتفاع والتنفع، وبوسعها تحمل اعتبار ال"ريال بوليتيك" نوعا من قابلية السياسي أن يسير على جثث ( مادية أو معنوية) نحو هدفه دون أن يرمش له جفن، واعتبارها موهبة وربما حتى فضيلة وميزة، كما أن بامكانها تحمل اعتبار اخضاع اي قضية مهما كان شأنها لحب الظهور موهبة إعلامية.
لم تكن هذه أخلاق ولا مرحلة ولا نفسية الديموقراطيين المؤسسين أمثال توماس جفرسون أو بنجامين فرانكلين أو دانتون او مازيني او لويس بلانك او أوجست بلانكي أو ماركس أو قادة الشارتيين وغيرهم من الديموقراطيين الراديكاليين الذين شقوا طريق الديموقراطيات الحديثة كحكم الأغلبية ولو كانت غير لبرالية، ولا كانت هذه أخلاق اللبراليين الاوائل الذين لم يهتموا بحكم الأغلبية بقدر ما اهتموا بالدفاع عن قيم الحرية والملكية الخاصة، ولو في إطار حكم الأقلية. نقول ذلك دون تصديق اسطورتهم، فقد كانوا بشرا يؤمنون بقيم تبدو لنا اليوم رجعية ومحافظة، كما أن بعضهم كان يناقض مبادئه في حياته الشخصية، وتكشف الأبحاث عن تناقضات هائلة في سلوكهم. ولكنهم كانوا جميعا أصحاب رؤيا راديكالية لا تشتق قيمها من موازين القوى لا المحلية ولا العالمية، ولا تتبنى الديموقراطية كشعار دولي لان المصلحة باتت تقتضي ذلك. نحن نتحدث عن اناس رأوا في إصلاح النظام السياسي جزء من تصورهم للعدل والإنصاف في المجتمع. وكانوا سيبدون غير واقعيين، بل رومانسيين في ايامنا التي يتخذ فيها الديموقراطي شكل "اليابيز". وبهذا المعنى نحن نتحدث عن ثوريين في بنيتهم الأخلاقية، وليس عن سياسيين من النوع الذي ينتقل الى الموقف الديموقراطي لانه يرى في ذلك مصلحة آنية دون أن يؤمن للحظة بالموقف الديموقراطي في إطار نضال من اجل مجتمع اكثر إنصافا وأكثر عقلانية، ودون أن يؤمن بالمساواة بين المواطنين كقيمة.
قد تنتهي الديموقراطيات الى ان تصبح الديموقراطية كفكرة مسألة مؤسسات قائمة وراسخة تتم إعادة انتاجها، ونخبة ديموقراطية فعلا تحافظ عليها من طوفان الثقافة الجماهيرية غير الديموقراطية، وقد تتحمل الديموقراطية في مراحلها المتأخرة مواقف غير ديموقراطية عند السياسيين الا بالمعنى الانتهازي وذلك ضمن مؤسسات راسخة وبوجود نخبة ديموقراطية في السياسة والجامعات وفي غابة إعلامية لا تمت لقيم الديموقراطية بصلة. ولكني لا اعتقد انه يمكن البدء ببناء ديموقراطية بهذه النفسيات التي انتهت اليها الديموقراطية المتأخرة، فما كان بإمكان سياسيي اليوم الانتهازيين في الغرب، من أمثال بوش الى أصغر مهني حزبي وكاتب خطابات، بناء أي ديموقراطية.
وبهذا المعنى فإن نموذج هوجو شافيز وحسن نصرالله ولولا في البرازيل هذه الايام مثلا اقرب في بنيته الأخلاقية، وليس في افكاره او أهدافه، الى ثورية الديموقراطيين المؤسسين من سياسيين يناط بهم أمريكيا أو يريد أن تناط بهم مسألة بناء الديموقراطية في الشرق الاوسط الكبير ولا حاجة لتعداد الاسماء.
أرى قلة من الديموقراطيين وشحة في النفسيات الإصلاحية في الحركة التي تتكيف حاليا مع الضغط الامريكي للحفاظ على حكم نفس النخب في المنطقة. والمسألة ليست مسألة كاريزما إطلاقا. الكاريزما فعلا غير موجودة، ولكن ليس نقصها هو المثير. فقد رأينا في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم الثالث كارزميين كثيري الألوان وشديدي الغرابة جذبوا الصحافيين والصحافيات لمقابلات مثيرة ولكنهم لم يبقوا حجرا على حجر في مجتمعاتهم ولا حتى مما بناه الاستعمار فيها من مظاهر عمرانية. لا حاجة لكاريزما الزعماء الغريببي الأطوار. المزعج وجوديا هو غياب الرؤيا، وغياب التطلع إلى مجتمع أكثر عدلا، وغياب الحماس للعدل والإنصاف الذي ميز دعاة بناء الديموقراطية حيث لم تكن موجودة. يبدأ عندنا البعض ديموقراطيته بالانحلال الذي يميز سياسيي الصفقات والائتلافات الحزبية التي تميز مراحل متأخرة من الديموقراطية.
لا يعقل ان يتم في مرحلة التأسيس التعامل مع الديموقراطية بمصطلحات جاهزة من خطابات جورج بوش وكتبتها الأصوليين، وأن تستهلك كما يستهلك الهامبورجر او الكوكا كولا، وان يسمى المستهلك المجتهد في جمع الكوبونات والمقارنة بين محل مكدونالدز وآخر وبين "مول" وآخر فتح حديثا ديموقراطيا.
ما وجه الديموقراطية في توجيه النصائح للفلسطينيين للتخلي عن حقوقهم؟ من ينصح بذلك هو ليس نمط السياسيين الذي يؤسس للديموقراطية. يقف الديموقراطي المؤسس عند الحقوق ويتمسك بها، وينتفض ضد الظلم، ويرفض فرض القوة بدل إحقاق الحق، ويرى أصلا تناقضا أخلاقيا بين الحق والقوة، كما رأته هنا ارندت مثلا في أطروحتها عن العنف.
ليس الديموقراطي مجرد سياسي مهني في إطار ديموقراطي يبحث عن مصلحته أو مصلحة حزبه بموجب موازين القوى القائمة، فيؤيد قرار الأغلبية الإسرائيلية الديموقراطية مثلا بشأن مستقبل الفلسطينيين، أو يؤيد حق المرأة بالمساواة بما في ذلك حقها في قيادة طائرة تقصف ايضا الفلسطينيين مثل الرجل. هذه ديموقراطية شكلا، ولكنها تقوم على قيم تكريس قمع واحتلال شعب آخر وتكريس القيم العسكرية التي تكرس دونية المرأة. ليس الديموقراطي هو من يعتبر كلام شارون، الرافض للانسحاب ولتنفيذ قرارات مجلس الأمن، خطوة الى الامام لانه يتضمن فك ارتباط في قطاع غزة في حين ليس لديه كلمة ايجابية يقولها عن دولة درست الوضع في دولة مجاورة في سياقه الدولي الجديد وقررت سحب قواتها بالكامل من هناك رغم أن قواتها موجودة ضمن اتفاق بين دولتين سياديتين. الديموقراطي في مرحلة التأسيس هو فرد يؤمن بالقيم الديموقراطية ولا يعتبرها حصيلة تبدل مصلحة أو مزاج القوي في عالمنا.
يقول الامريكي الذي تحول من راعي بقر الى راعي الديموقراطية في خطابه الأخير من يوم 8 آذار امام جامعة الأمن القومي "فورت ليسلي ماكنير" إن الانتخابات البلدية في السعودية هي مبشر بالديموقراطية وخطوة الى الامام(عال، عظيم، ممتاز،مبروكن هنيئا) كما يرى أن الانتخابات الفلسطينية خطوة للتحرر الفلسطيني من "ارث العنف والفساد" الفلسطيني، وليس من الاحتلال الاسرائيلي (هنيئا مرة اخرى ومرحى، وطوبى للمصوتين لانهم يرثون الارض)، ويرى ايضا ان انتفاضة اللبنانيين ضد الوجود السوري هي انتفاضة من اجل الديموقراطية تندرج ضمن انجازات الحرب الأمريكية على الإرهاب التي خصص الخطاب لتعدادها. هل لاحظت عزيزي القارئ ان بوش فطن في خطاب الثامن من آذار الجاري بقدرة قادر أن يدرج في خطابه عملية ضد قواعد المارينز في بيروت من العام 1983 وأن يذكرها بنفس واحد مع عملية 11 ايلول بعد ذلك بسبعة عشر عاما وبعمليات التفجير ضد السفارات الامريكية في افريقيا؟ نقطة للتفكير.
وكنا قبل سنوات نذكره بلبنان الذي لم يذكره في اي من خطاباته ولا حتى كمثل على احتمالات وآفاق وبراعم الديموقراطية المبشرة في العالم العربي. فجأة تذكر بوش لبنان بين عملية مقاومة ضد المارينز اعتبرها من نوع عمليات القاعدة واحتجاج لبناني مشروع اعتبر من نوع الثورات المخملية. لقد قص بوش في خطابه تناقضات لبنان الحيوية واختلافاته وتنوعه على مقاسه وأختزلها الى النموذج الامريكي في الخير والشر.
ولكن أليس على اي ديموقراطي عربي أن يذكره ان مظاهرة بحجم مظاهرة القوى الوطنية اللبنانية في نفس يوم خطابه تتجمع وتتفرق دون فوضى مئات الأمتار من موقع مظاهرة مناقضة وتمر دون عنف ودون تدخل بوليس وفي مرحلة ازمة حكم هي دليل على انه في هذا البلد تتوفر ثقافة ديموقراطية وجدت قبل ان يتشرف هو بذكر لبنان في خطاباته بهذا الشكل التخريببي الذي يؤسس لفتنة؟ انها وظيفة الديموقراطيين العرب ان يذكروه بذلك. عكست تظاهرات المعارضة والقوى الوطنية اللبنانية ثقافة ديموقراطية. ولا اعتقد ان مظاهرات بهذا الحجم، وفي مثل هذا الاستقطاب السياسي والاجتماعي، كانت سوف تمر بسلام وبدون غاز مسيل للدموع وجرحى وقتلى في اسرائيل الديموقراطية.
لم تنبت الثقافة الديموقراطية اللبنانية من بذرة بذرها تدخل أمريكا في العراق، ولا من خطاب بوش، ولا بعد القرار 1559، بل كانت موجودة يعيبها التوازن الطائفي والسلالات العائلية وضعف المواطنة مفهوما وممارسة، وتدخل المخابرات في الحياة السياسية وغير السياسية بتواطؤ من قبل المجتمع، نعم، بتواطؤ من تنوع الطوائف والزعامات والسلالات غير الديموقراطي، والتعدد غير الديموقراطي القائم، واستسهال البحث عن عملاء بدل حلفاء أحيانا. وقد استفادت المعارضة اللبنانية من تقاليد ديموقراطية قائمة، ولم تؤسس هي لها كما حصل في ربيع براغ أو انتفاضات جورجيا واوكرانيا وغيرها، كما استفاد منها مؤيدو المقاومة والتحالف مع سوريا في لبنان في تظاهرتهم الجبارة. من الطبيعي الا يذكر بوش ذلك لانه ليس ديموقراطيا، رغم أنه قرأ كتاب ناتان (اناتولي) شيرانسكي واصبح أحد مصادره عن الديموقراطية. ولكن الا يجدر ببعض الديموقراطيين العرب تذكيره بهذه الوقائع والحقائق اللبنانية هذه كانوا فعلا ديموقراطيين؟ هذا واجبنا. تفترض هذه الإرادة رغبة الديموقراطيين العرب بالاستناد الى شرعية جماهيرية، كما تفترض رغبة بدمقرطة الثقافة السياسية الشعبية بواسطة تقريب هم الديموقراطية من هموم الجماهير. ولكن النفسيات المنتشرة عند البعض تستند الى موازين القوى الدولية والأجندة الأمريكية، وتأمل أن تنعكس هذه الأجندة على ساحتها المحلية دون ان يكون لديها مشروع ديموقراطي متعلق بمستقبل البلد، ودون رؤيا شاملة تحررية تشمل فيما تشمل التمسك بمبادئ العدل والإنصاف.
تستطيع ايران إن شاءت أن تصرخ انه ليس لديها سلاحًا نوويًا ولا تنوي انتاجه ويرد العالم مع امريكا أنها تريد انتاجه، يؤكد كيم ال سونغ المجنون المنحرف السفاح ويقسم أغلظ الايمان مؤكدا أن لديه سلاحًا نوويًا، وتجزره استراليا باسم امريكا بأنه كاذب ولا يملك سلاحا نوويا. ويؤكد الرئيس السوري ان قرار 1559 هو قرار سيء ومخالف لميثاق الامم المتحدة كونه صدر من دون تهديد للسلام والامن الدوليين كما ان أيًا من الأطراف صاحبة الشأن لم يتوجه طالبا مساعدة مجلس الامن، وانه مع ذلك لا يريد تضييع وقت احد في مناقشة مدى انصاف هذا القرار وعدالته، لأنه لا توجد عدالة ولا يوجد قانون دولي فعلا في عالمنا، وأنه سوف ينفذ الشق المتعلق بسوريا منه رغم ذلك كله. ولا ترد أمريكا ولا حتى بمديح للبراغماتية او الواقعية أو العقلانية التي ارتاح لها شعبه على الاقل، ناهيك عن تجاوب المجتمع اللبناني مع هذا الأسلوب، بل تؤكد أمريكا انها انصاف حلول ومناورات سورية، وليست حتى خطوة ايجابية تنتظر المزيد كما اعتادت أمريكا ان تقول. مجرد كلام عدائي عدواني. فسوريا مستهدفة إسرائيليا وبالتالي أمريكيا. وحتى لو دخلت ديرا فرانسيسكانيا سوف يلحقها شارون وبوش مطالبا ان تلغي نفسها على كرسي الاعتراف. ويستطيع شارون، وهو مجرم حرب معروف، ان يقول بالصوت والصورة انه لا يريد، لا يريد، لا يريد تنفيذ قرارات مجلس الامن بشأن احتلال اسرائيل لاراض سورية وتستطيع امريكا أن ترد على الرفض بأجمل منه وبأن تصريحه مع ذلك يشكل تقدما الخ. هكذا يبدو الجانب المظلم من عالم مارثا ستيوارت التي تنشغل امريكا بها حاليا، عالم الاستهلاك الإعلامي وعالم جورج بوش ورامسفيلد وكوندليزا رايس وبقية البلطجيين. حسنا، ولكن صوت الديموقراطي العربي المؤسس هو الذي يجب ان يبرز في مثل هذه الحالة كصوت العدالة، صوت رفض منطق قرار 1559.
يطالب وزير عربي سوريا من تل ابيب بتنفيذ القرار 1559 فورا وبدون تأجيل. وهو اكثر مما يطالب به كوفي انان، ولا يتضمنه نص القرار. يطالب بذلك من تل ابيب التي ترفض فورا وبدون تأجيل تنفيذ اي من قرارات مجلس الامن، وتحتل فورا وبدون تأجيل أراضي عربية، وتنكل بشعب عربي وتبني جدارا اجراميا خلافا لقرارات المحكمة الدولية، ولا توحد البلد كما فعل الجيش السوري بل تقسمها، ولا تبني او تحمي عملية بناء بل تهدم ما كان مبنيا في فلسطين حتى قدومها. فأين الصوت العربي الديموقراطي الذي يعترض بقوة على هذا الكلام في هذا الموقع. يفترض الا يترك الديموقراطي معارضة مداهنة اسرائيل الشارونية والا يترك رفض هذه الانتقائية في تنفيذ أضعف قرارات مجلس الأمن وأقلها شرعية، للاصوليين غير الديموقراطيين. مثلما لا يفترض ان يعتبر الديموقراطي القضايا الوطنية مجرد شعارات اذا اراد ان يبني ديموقراطية وطنية ذات شرعية شعبية.
هنالك عطب بنيوي يجعل الديموقراطية العربية تبدو كأنها مستوردة كنوع من "الفاست فود" لابناء الرجوازية الوسطى واليابيز من كافة الانواع الذين يعتقدون بكل التواضع المطلوب أنهم يعرفون "كيف يدار العالم" و "كيف تسير الامور" أو "كيف الدنيا ماشية" بمنطق المدراء العامين وال"سي اي او" CEO . ولو سألهم شخص متواضع ان يفسروا له سر ادارة العالم لقالوا كلاما لا يقوله ديموقراطي، من نوع الدنيا مصالح ويجب ان يبحث كل حاكم عن مصلحته. ولكنهم لم يبنوا ولن يبنوا ديموقراطية من اي نوع. استطاعوا سابقا التعايش مع اي ديكتاتورية ترضى عنهم وعن مسار اعمالهم، وترضى عنها أمريكا حاليا ولاحقا يستطيعون التعايش مع ديكور وإكسسوار إصلاحي. ويستطيعون التعايش مع أي ظلم اجتماعي ومع تعددية طائفية وتوازنات طائفية ودون مواطنة حقيقية.
هكذا تم عن قصد تسويق تحرك مهم فعلا في الشارع اللبناني كأنه ثورة مخملية وتحرك آخر أكبر منه ولا يقل عنه مخملية تم تجاهله في خطاب بوش كأنه لم يكن. اين الديموقراطي العربي في هذه الحالة من هذا التقسيم النوعي للأكثرية كأقلية وللأقلية كأكثرية؟
ثم لا يستطيع الديموقراطي العربي ان يصمت بتواطؤ على جريمة اعتبار الاكثريات هي الاكثريات الطائفية والأقليات هي الاقليات الطائفية او العرقية او المذهبية بتجاهل تام للمواقف او الأفكار او البرامج المتطرقة لمصلحة ومستقبل المجتمع ككل وبتركيز على هوية السياسي وانتمائه. ومع ذلك يسود الصمت. ويتم الاستئساد والإستقواء بالموقف الامريكي. وتكفي وجهة دعم الامريكان لتحديد هوية القوى الآخذة بالافول تاريخيا، القوى التي تؤمن بالشعارات الرنانة والطنانة التي عافها الناس من جهة، وهوية القوى الصاعدة الشبابية الربيعية المخملية، وهذه طبعا ليست شعارات رنانة ولا طنانة. أما مسألة مدى ديموقراطية أي من المواقف فتتحول الى مسألة جانبية مقابل المشهد الذي انفعلت منه حتى اسرائيل التي لا تصدق ان شيئا كهذا ممكن في دولة عربية. وما ان استكمل المشهد بجماهير مسالمة ولكن بأعداد أكبر وتنوع طبقي أكبر خلف شعارات مناهضة لاسرائيل وأمريكا حتى تم تجاهله، وأطلقت عليه تسميات أخرى من نوع تظاهرة الموالين لسوريا، تظاهرة حزب الله، لا ربيع ولا مخمل ولا خمائل.
الطريق الى الديموقراطية تمر من هنا. من الدفاع عن هؤلاء المتظاهرين في وجه بوش الذي يصر على اعتبارهم استمرارا للعملية ضد المارينز. الطريق الى الديموقراطية تمر عبر التلاقي المخملي الربيعي مع هموم الناس من مختلف الطبقات، ومن ضمنها الهم الوطني.
ريتـــــــــــــــــــــــــــــا