مشاهدة النسخة كاملة : المذاهب الأخلاقية الكبرى..!.!!
Zurba
03-08-2005, 05:15 PM
الأخلاقية العلوية ( العلمانية)
1- العصور القديمة
أ- اخلاق افلاطون
الأخلاق الأفلاطونية هي المثال الأول في الفكر الغربي للأخلاقيات المبنية على أساس العلوية ولكنها تشكل من بعض نواحيها مع ذلك تركيبا من التأثيرات السابقة كما يتضح فيما يلي :
عن الفيثاغورثيين : اقتبست الأخلاق الأفلاطونية عن الفيثاغورثيين كما يبدو فكرة أن النظام الإلهي الذى يهيمن على الكون ذو طبيعة رياضية , وأن الروح حبيسة في سجن هو الجسد فلا تستطيع منه فكاكا ( ذلك بعد تقمصات عديدة كما يؤكد الفيثاغورثيون) إلا عن طريق قاعدة للحياة منسجمة مع هذا النظام قوامها الطهارة والتنسك واحترام التضامن (المتناسق) الذى يوحد بين الكائنات وكذلك ضبط النفس والعدالة , أي كل الفضائل التي يمكن تحديدها ضمن نطاق العلاقات, فالعدالة هي المساواة , والإعتدال هو القياس إلخ .
عن سقراط : سقراط الذى لا نعرفه إلا من خلال (المحاورات) الأفلاطونية فقد اقتبس منه افلاطون دون ريب فكرة أن الأخلاق علم ومن الممكن تعليمه , وذلك أولا = لأن الإرادة مستقيمة دائما عندما تكون مستنيرة ( هذا تاكيد محفوف بالشك ) , وثانيا = لأن الخير هو مجموع القضايا التي تحقق التوفيق بين المرء ونفسه من ناحية وبينه وبين الاخرين من
ناحية اخرى وهي قضايا عامة وبالتالي شبيهه بقضايا العلم , وما تهدف إلي الديالكتيكية السقراطية ( أي فن توليد العقول الشهير لدى سقراط) هو استخراجها عن طريق جهد تأملي جماعي وودي منصب على المفاهيم المقبولة من المجتمع بوجه عام ... هذه المفاهيم الجزئية والمتناقضة غالبا فيما بينها . وهكذا فحسب يمكن عن طريق النقد العقلاني للآراء اكتشاف ( القوانين غير المكتوبة ) الكلية والملزمة أي النظام الألهي .
وقد عرف افلاطون كيف يوسع مجددا مدى هذه الإتجاهات الأخلاقية وذلك عن طريق اسنادها إلى ميتافيزياء عامة أو بالأحرى عن طريق استخلاص المبادئ الميتافيزيائية التي تفترضها هذه الإتجاهات , وهذا مصدر مفهومه عن الكون ككل منسجم تهيمن عليه (سماء) من المثل الخالصة غير المخلوقة وغير القابلة للتغير , وليس العالم المحسوس إلا تدنيا لهذه المثل منقوص وفان , أما الروح البشرية فهي من اصل إلهي , وقد عرفت (في السابق) نظام الجواهر هذا ثم انحطت إلى الجسم المادي الذى يحيطها بالعتمة ويزيفها , وهي تحتفظ بالحنين إلى ذلك النظام , وهكذا فإن طريق السعادة والحكمة واضح إذن كل الوضوح أمامها ويقوم على نبذ المظاهر المحسوسة والفوضى المادية والجسدية , لأجل العودة بالروح إلى طبيعتها الأصيلة , وتحقيق السيادة ( في داخل الروح وفي المجتمع) للفضيلة , التي هي ليست سوى صورة المقاييس العلوية المتمركزة حول مثال ( بالمعنى الأفلاطوني) للخير والتي ينظمها مثال العدالة .
ويتم هذا (الهرب) الذى يقود إلى ( تقليد للإله) أي إلى الخير عن طريق سبر عقلاني بحت فهو يبدأ بجدل القلب والنفس ثم الجهد العقلاني للتخلص من ربقة العالم المحسوس , هذا الجهد الذى ينتقل بالروح من حقائق ناقصة إلى حقائق اكثر كمالا حتى يقودها إلى حالة من التوازن الداخلي والوحدة أي بالتالي السعادة بل لعله قد يتيح لها أن تنظم بعد الموت خالدة إلى (عالم المُثُل) , ويعني ذلك بصورة عملية أن يحقق المرء في نفسه أولا ثم في الجموعة تناسقا "متناسبا" مستوحى من النظام الذى يكشفه الجدل العقلي( الديالكتيك) كما يلي :
-- لما كانت الروح مركبة من ثلاثة عناصر ( الشهوات الفجة, الهوى الكريم لكن العنيف, العقل ) فإن الإنسان الفاضل يدخل إليها - شبيها في ذلك بالموسيقى - توازنا صحيحا , وهكذا فإن الحوذي (العقل) يكبح جماح "حصان الهوى" الأبيض ويستخدمه كمساعد له ضد "حصان الرغبات الأسود" , هذا التوفيق صعب يتطلب توترا مستمرا ولا يسمح بأية تسويات , يشير افلاطون إلى فضيلة التكفير والعقوبة , أما إذا اختل التوازن فإن اعادة النظام تستوجب الشدة
- بالنسبة إلينا وإلى الآخرين - كما تستوجب اعادة الصحة المختلة الكي والبتر (غورجياس)
-- كذلك الأمر بالنسبة للمجتمع حيث يجب اخضاع العدد الغفير لنظام وحيد , مما نجمت عنه " الأوثوبيا" الشهيرة التي بحثت في الجمهورية .... أي ذلك التنظيم الإجتماعي الصارم الذى تتسلسل فيه طبقات ثلاث صعودا ( الصناع والمحاربون والحكام) ويسوده مبدأ جماعي يميل إلى إلغاء أية نزعة إلى الفردية الأنانية لدى المشتركين في المجموعة , وهذا نوع
من " الطغيان الفلسفي" بحسب جانيه وسياي , يهدف إلى اقامة انعكاس على الأرض للعدالة "الرياضية" التي تسود العالم المثالي , بحيث يتجلى هذا الإنعكاس بصورة ولاء شمولي للدولة ( يخفف افلاطون في "القوانين" من صلابة اخلاقه الإجتماعية النظرية اخذا بعين الإعتبار الطبيعة البشرية العملية الناقصة ) .
ابقوا معي لا تذهبوا بعيدا
Zurba
03-08-2005, 05:21 PM
ب - اخلاق ارسطو
يقدم ارسطو المولود في مستعمرة يونانية في تراقيا صورة عن العقلية اليونانية بمثله الأعلى الثلاثي ( القياس , العقل , الجمال ) تفوق في دقتها - كما لوحظ غالبا - تلك التي يقدمها الأثيني افلاطون , فليس لدى ارسطو شيء من ذلك المزيج الفريد الذى اختصت به الأفلاطونية أي مزيج الشاعرية الصوفية بعض الشيء والتصلب الأخلاقي ( هذا ما جعل افلاطون يبدو احيانا وكانه يتحدث منذئذ اللغة المسيحية وجعل من السهل بالتالي على آباء الكنيسة الأوائل تقبله ) , وكانت الخطوة الأولى في ميتافيزيائه إلغاء مفهوم سماء "المثل" الصوفية :
فليست الحقيقة خارج عالمنا ولكن تحت ابصارنا في الكائنات وفي الأشياء الأرضية غير أن ذلك لا يعني أن هذه الأشياء والكائنات خالية من النظام ومن المعنى , فالكون يبدو لأرسطو كطبقات ( مستويات) من الواقع ينتظمها تسلسل عظيم الإتساع تبطنه وتوجهه وتمتصه حركة جامعة نحو الكمال , وكل فرد مزدوج التكوين فهو مركب من مادة ( هي قدرة على التغيير غير محدودة ومبهمة ) ومن صورة أو قالب ( هي ميل إلى التنظيم والتحقيق البنياني للميزات الطاقية للمادة) , ويستند كل مستوى من مستويات الواقع هذه إلى السابق مشكلا في الوقت نفسه قاعدة للمستويات التالية , وهكذا يرسم الكون سلما مستمرا يرتفع من حد إلى حد نحو المستويات العليا , واخيرا فإن هناك صورة الصور ( الإله أو المحرك الأول أو الخير )
أما قاعدة السلوك الإنساني التي ينتج عنها بشكل غير مباشر بلوغ المرء السعادة فلا يمكن أت تكون بالتالي سوى انجازه ل "صورته" الخاصة به على خير ما يمكن وتحقيقه ل "جوهره" وطبيعته إلى الحد الأقصى , ولما كان المميز الإنساني هو العقل فإن الفاعلية الفاضلة تقوم على العيش طبقا للعقل وهذا ما يعني انها ليست متوقفة علينا بشكل كلي بل يجب أن تكون الظروف الخارجية ملائمة , أي يجب توفر (رضى الآلهة) ويعني ذلك ايضا أن هذه الفاعلية تختلف بحسب الأفراد وبحسب استعداداتهم العقلانية .
وبالنتيجة فإن الفضيلة كما يحددها الكتاب الشهير "الأخلاق إلى نيقوماخوس" لأرسطو هي عادة واستعداد راسخ مكتسب لتجنب أي تطرف والحفاظ في كل شيء على "الوسط الصحيح"فلا ينبغي إلغاء الأهواء ( لأنها جزء من طبيعتنا كما انها محركنا الداخلي ) كما لا ينبغي اطلاق العنان لها ( لأنها ستطغى على العقل إذ ذاك , وهذا مظهر آخر من مظاهر طبيعتنا )ويطبق ارسطو هذا المثال الأعلى للنظام والقياس والإنسجام على تحليل ما يجب أن تكونه فضائل الحياة العملية :
السماحة : وهي المرحلة المتوسطة بين البخل والإسراف
العدالة : التي تقوم على الحفاظ على التوازن الإجتماعي بصورة متعاوضة احيانا ( العدالة
الصارمة في المبادلات ) , وبصورة توزيعية احيانا اخرى ( التناسب مع استعدادات كل واحد من ناحيتي العقاب والمكافاة ) الصداقة : وهي ان يهب المرء نفسه بشكل نزيه ومطلق , ولكن ايضا أن يكتسب خير ما لدى الطرف الآخر اخلاقيا .
غير انه إلى الأعلى من هذه الخلاق العملية تقع الحياة التأملية التي لا يمكن بلوغها إلا للحكيم وحده , وتقوم على الإنصراف إلى الفكر المحصن وإلى المعرفة النقية من كل شوائب الإعتبارات الأرضية وهي الوسيلة التي يقترب بها الإنسان من الإله ويخلد نفسه ما امكنه الخلود خلال وجوده على قيد الحياة , وهذا ايضا حد متوسط بين الفضيلة اليومية وبين المشاركة المستقبلة في الألوهية في الذكاء الأبدي .
وتكتمل هذه المفاهيم بسياسة اكثر "انسانية" بما لا يقاس من سياسة افلاطون : الإنسان حيوان خلق لكي يعيش في مجتمع , وهو بالتالي درجة متوسطة بين البهيمة والإله اللذان يوجدان منفردين , ولكن المجتمع - تلك الظاهرة الطبيعية - ذو غاية واضحة ودقيقة هي تنمية الفضيلة لدى اعضائه ولذلك فإن جميع الدساتير التي تميل إلى "تدعيم العقل بدون
الهوى" لدى الفرد صالحة , لكن تفضيل ارسطو ينصرف إلى الديموقراطية المعتدلة حيث تعتدل الثروات في انسجام صحيح وكذلك الأمر بالنسبه للكفاءات كما هو بالنسبه للرغبات الخاصة , وهذه نتيجة منطقية لهذا التأمل الأخلاقي الذى يشكل قاعدة لكنها" قاعدة رصاصية" قابلة للتشكل بحسب كل قالب من قوالب الجزئيات الإنسانية كما انها رمز لما يجب أن تكون عليه الحياة الأصيلة : أي التناسب المعقول بين النظام الكلي وبين المحل الذى يشغله فيه الإنسان تبعا لطبيعته النوعية .
يتبع
Zurba
03-08-2005, 05:28 PM
ج - الرواقية
هي مدرسة عرفت نجاحا كبيرا , فقد تأسست بحسب القول التقليدي من قبل "زينون السيتيومي" حوالي عام 300 ق. م ووضع نهجها "كريسيب" حوالي 250 ق. م وامتدت حياتها بصورة فعالة حتى القرن الثاني بعد الميلاد عبر افكار "سينيك" و "إيبيكتيت" و "ماركوس أوريليوس" حوالي 160 ب. م , واثرت الرواقية في تأملات مختلفة عن بعضها
كل الإختلاف كتأمل كل من "ديكارت" و"باسكال" و "كانت" و "مين دي بيران" وذلك فضلا عن غير الفلاسفة من امثال "كورناي" و " فوفنارغ" و " فينيي" و " ميتيرلينك" .
وقد يميل المرء للوهلة الأولى إلى ربط هذه المدرسة بالمذهب الطبيعي , نظرا لكونها مبنية على اعتبار " فيزيائي" خاص للعالم وتؤدي إلى هذه القاعدة العامة : ( يجب العيش وفقا للطبيعة ) , ولكن من السهل أن نلحظ أن "فيزياءها" المذكورة هي ماهيتها "ميتافيزياء دينية تقريبا" تنتمي إلى ميتافيزياءات النظام المنسجم للكون , وإن "الطبيعة" فيها ( سواء في ذلك طبيعة الفرد أو طبيعة العالم ) هي الفاعلية العقلانية الشاملة الوجود والتي تبعث الحياة في
كل ذرة من "الكل", فالكون بالنسبة للوراقي "إلهي" بأكمله لأنه وليد " نفخة" أو " نار" هي في الوقت نفسه الإله والعقل والحياة معا وكل كائن ( ولا سيما الإنسان وروحه ) شرارة جزئية منها , اما المادة فليست سوى تثاقل انتقالي في هذا "التوتر الخلاق" فهي ليست مبدأ يعارض الذكاء الأعلى ولكن مجرد حالة دنيا لهذا الذكاء .
ولعل المفهوم القديم للوحدة الداخلية للأشياء يسود على أوضح ما يكون في الرواقية وهي تلك الوحدة التي تجعل الكون يشكل جسما واحدا عظيم الإتساع أو تكتلا منظما "يتضافر" كل ما فيه في سبيل هدف واحد ويتلاءم كل عنصر فيه مع مجموع العناصر الاخرى تبعا لنظام عام , فالحكمة والحالة هذه تعمي فهم هذا النظام وتقبله وما هو خير من ذلك المشاركة فيه طواعية واختيارا من صميم الفؤاد , وأن يعثر المرء من داخل نفسه على الوحي الإلهي الذى
يتولد عنه كل شيء ثم يطور هذا الوحي ويقيه من كل هوى أو انانية أو رغبة , أي من كل ما هو "مادة" , وينبغي أن يكرر القول بأن المادة ليست سوى تخدر موضعي في النار الكلية شبيه ( وهذه حالة من يرفض التعاون مع النظام , أي الكافر أو الفاجر ) بالدوامات التي تتشكل في مجرى النهر وتحاول أن تجعل من نفسها "افرادا" مستقلة .
وهكذا فإن الفضيلة تستند بشكل ماهوي إلى فعل وحيد هو التقبل النهائي للنظام وهو فعل شبيه باللطف "الإلهي" المسيحي من حيث انه يحول طبيعة الكائن ويمنحه دفعة واحدة ذلك الثبات ... ذلك التجانس الداخلي ... ذلك التوافق الذى كان يفتقده مع العالم طالما كانت الأهواء هي التي تقود الكائن .. وقد استنتجت الرواقية من ذلك (وبصورة منطقية تماما) نتائج تظهر فيها المفارقة كل الظهور وكثيرا ما كانت الطبيعة المتكبرة ( كذلك الصعوبة الميتافيزيائية
فيها : من اين نبعت البادرة الأخلاقية أي ذلك الإنضمام التلقائي إلى النظام ؟ .. فإن كل مشكلة الحرية الإنسانية - وهي المشكلة التي لم تستطع الرواقية ابدا اعطاء حل مرهق لها - تكمن في هذه الصعوبة ) , تضع النتائج موضع الإنتقاد .
ليس هناك قياس مشترك بين الحكيم والاخرين كما لا يوجد " نصف فضيلة" فالفضيلة إما أن تكون كلاَ واحدا كاملا وشاملا أو ألا تكون على الإطلاق ( من هو حكيم مجنون ) , أما الفضائل الجزئية فتشكل مجموعة واحدة ومن لا يمتلكها بأجمعها فهو لا يمتلك أية واحدة منها , كما أن من يمتلك واحدة منها ما سبق فإن الإقفال أقل اهمية من الروحية التي ترافق القيام بها لأن اتفاق الإرادة مع ذاتها وثباتها الداخلي العقلاني يشكلان ماهية ما يفرق بين الحكيم والشخص
العادي البسيط , واخيرا فإن المثل الأعلى القائم على "المشاركة في الإله" يقود الرواقي إلى اللامبالاة المنهجية بكل ماهو "جزئي" وإلى الإنعزال بالتالي عن العلاقات العائلية والإجتماعية وهذا افحساس يبدو للكثيرين غير منسجم مع الطبيعة الأصيلة للأخلاقية .
وفي الواقع فقد خفف الرواقيون عمليا بعض المتطلبات المنطقية لمبادئهم بغية تسهيل التأثير على معاصريهم , فأدخلوا إليها أولا مفهوم الأفعال "المفضلة" و "الملائمة" التي تتيح ممارسة سلوك " شبيه" بسلوك الحكيم الحقيقي دون أن تشكل الفضيلة الحقيقية , ثم عمدوا بعد ذلك إلى تطوير فكرة كان منهجهم يحتويها بصورة ضمنية , وهي فكرة أن جميع البشر( بما فيهم الغرباء والعبيد ) اخوة بإعتبارهم جميعا وليدي نفس النفخة الإلهية , مما كان من شأنه تعبيد الطريق لأخلاق اجتماعية مستوحاة من نظرة بشرية جامعة ومحبة للانسانية مختلفة كل الإختلاف عن الإعتكاف المترفع الذى يستنتج من مذهبهم نظريا لدى اعتباره من زاوية اخرى وألحوا ايضا على الجانب الديني ( الذى يستطيع شمول جميع العبادات ويأذن بالصلاة , ذلك الفعل المعبر عن التواضع الواثق تجاه " الفاعلية المهيمنة" ) وهو الجانب الذى تتضمنه فكرة العقل الكلي , واشاروا اخيرا إلى المعنى الأخلاقي للإستقلال الذاتي الداخلي ( لا تتوقف الفضيلة والسعادة الأ على الرأي الذى نحمله عن الأشياء , وهذا الرأي من فعل ارادتنا وحدها ) كما اشاروا إلى باطل الخيرات المزيفة كالثراء مثلا ( مما يجب ألا يستعمله الحكيم إلا كما يستعمل أثاثا في فندق ) , وإلى عظمة الإستسلام الرفيع أمام الشقاء , الموت , الظلم .
وكان هذا المظهر الثلاثي والأخير هو الفكر الرواقي فأثر في 2000 عام من التأمل الأخلاقيوهو الفكر المغلق من ناحية اخرى أمام مشكلة الإمكانيات الواقية للإنسانية المتوسطة الضعيفة
يتبع
Zurba
03-08-2005, 05:32 PM
د - الأفلاطونية المحدثة
شهدت القرون الأولى للمسيحية تطور تيار جديد في التأمل الفلسفي مركب من الوحي الأفلاطوني , الفيثاغورثية , الميول التأملية والصوفية للحكمة الشرقية . وتجسد هذا التيار ( حوالي عام 250ب. م) بتأسيس مدرسة "أفلوطين" في الإسكندرية ( أثينا ذلك العهد)
وبحسب هذه الشمولية الإلهية أي وحدة الوجود ( الله هو الكل) الغامضة والشاعرية فإن أصل كل شيء هو "الواحد" أي "الإلهي" .... وهو الخير في كماله وتمركزه الأعليين ولكن فيه ميلا خلاقا داخليا جارفا يدفعه إلى الإشعاع التلقائي متشعبا إلى قدر لا نهائي من "المُثُل" الخالصة , ثم إلى التكرار في قدر لا نهائي من الأرواح الجزئية تحتفظ كل منها
بجزيء من ماهية "الكائن المطلق" , ويرافق هذا التكرار بالضرورة تدن قوامه المادية وظهور أفراد موجودين في الزمان وفي المكان .
أما الشر فهو التالي الإبتعاد عن " الإلهي" الأصلي , وأفدع من ذلك الإنغلاق داخل هذه "النهائية" وهذا الإنحطاط وارتضائهما . وأما طريق الخلاص فهي في حركة " تحول عكسي"هي عودة الروح تدريجيا نحو الإله حتى يتم استغراقها فيه من جديد , وهذا ما تنجم عنه المراحل المختلفة للحياة الأخلاقية , وهي أولا ممارسة الفضائل المتواضعة
( التعفف , العدالة .... إلخ) التي تطهر الروح بتحريرها إياها من الروابط المادية , ثمالحياة التأملية بعدئذ , أي البحث في داخل الذات بواسطة " العين الداخلية" عن الحضور الإلهي , وهو بحث صادر عن وحي جمالي أكثر منه عن وحي عقلي , لأن الجمال يشكل بحسب "أفلوطين" الإنعكاس الأرضي للخصب الحي واللامتناهي للخير ويدل أخيرا ( لأن هذه المراحل ليست سوى تأهيل للحياة الإلهية ) نصل إلى الوجد , وهو الإتحاد العميق مع " الأحد " حالة الكمال والسعادة الكلية التي تُمنح للحكيم وحده دون أن يتمكن من بلوغها إلا في العارض النادر , فهي تُمنح له بنوع من اللطف الإلهي لا يستطيع هذا من أجله إلا انتظارا ( كما تنتظر العين المتجهة نحو الأفق الشمس التي ستشرق ) , فيما يكون قد علق في داخله كل فكرة وكل ما يتضمن تمييزا لذات أو لموضوع .
يتبع
Zurba
03-08-2005, 05:41 PM
و - الإنشقاقات الأخلاقية
يتم هذا العرض الموجز للأخلاق القديمة بذكر الصوفية الأخلاقية الإسكندرانية (نسبه إلى الإسكندرية ) التي لم ينقصها في الواقع إلا "التنظيم الكهنوتي" كيما تشكل دينا اصيلا ( واستخدمت من قِبل جوليان المرتد مثلا لمحاربة انتشار المسيحية ) , بيد أن العرض لا يكتمل بذلك اذ ينقصه الأبيقورية أولا , وهي مذهب موغل في الصوفية دون ريب ولكن انكاره لكل ماهو "علوي" يحتم اعتباره ضمن المذاهب الطبيعية , وينقص اذن بالتذكير البسيط بالموقف "الكلبي" المستند إلى تبرير للجهد وللزهد ’ لكن المفارقات التي غالى بها انصار هذا الموقف ( ديوجين الشهير حوالي 350ق. م ) حين اعتبروا احتقار الثراء مثلا كدعوة للتسول احاطته بسمعة مزيفة على انه "لا اخلاقية"
ولنذكر ايضا موقف "السفسطائيين" المعاصرين لسقراط الذى يعتقدون بوجود عقل في الكون دون ريب , لكنه عقل ذو قاعدة وحيدة هي سيطرة القوي على الضعيف , فليست "الأخلاق" التقليدية بالتالي ( وكذلك كل مؤسسة انسانية اخرى ) سوى اتفاق وضعي يهدف إلى منفعة هي الحفاظ على التوازن الإجتماعي .
وهناك النظرة الشكاكة التي استنها "بيرون" (حوالي 300 ق .م) منطلقا من مفهوم اعتبار الكون "وهما" مستغلقا على العقل , فإستنتج مثلا اعلى يقوم على اللا انفعال واللامبالاة بالأهواء والرغبات .
وكل هذه نظرات ليست "علوية" بالمعنى الصحيح ولكنها تستند على أي حال إلى "قبليات" عقلانية اكثر من استنادها إلى دراسة علمية وتجريبية للطبيعة .
Zurba
03-08-2005, 05:52 PM
الأزمنة الحديثة
أ- مونتاني وباسكال
اذا لم نشأ النظر إلا إلى المذاهب التي لا يزال تأثيرها محسوسا حتى اليوم فليس هناك من في أن نتاج "مونتاني" هو الذى افتتح التامل الأخلاقي "العلماني" في العصور الحديثة وهذا النتاج يبعث على التوجس للوهلة الأولى , اذ اننا نرى الوجه الذى يظهر فيه "مونتاني" يختلف اختلافا كبيرا , عبر جميع صفحات كتابه "الأبحاث" , فهو رواقي احيانا احيانا ( يستلهم "إيبيكتيت" و"سينيك" بشكل ) ويحتقر الألم والموت و بيروني " نسبه إلى بيرون" احيانا اخرى في مؤلفه المشهور "تبرير ريمون دي سيبوند" الذى يندد فيه دون أسانيد بعجز ملكاتنا وبطلان معارفنا المزعومة مع عجرفتها , ويبدو لنا تارة أبيقوريا معتدلا قاعدته الوحيدة أن يقطف جميع الورود الموجودة في متناول اليد ثم
يبدو اخيرا محافظا براغماتيا ( مشمئزا من الجدة مهما كان الوجه الذى تحمله) , يؤمن بالسنه الموروثة وب "الأسلوب العام"
بيد أن هذا التنوع لديه ليس إلا ظاهريا يخفي ورائه في الواقع قناعة راسخة : فهناك نظام طبيعي لا ريب في أنه من مشيئة الله ( على الرغم من أن مسيحية مونتاني مستترة فلا مجال للشك فيها ) , ويوجد لهذا النظام اسباب عميقة كما أن له غايات إلهية اما عقلنا المعرض للخطأ فلن يتمكن ابدا من معرفة أي شيء بصورة اكيدة ويجب بإسم التسائل القطعي (ماذا اعرف ؟) ادانة الملحدين , ولكن ايضا ادانة المتعصبين والمصححين من كل نوع , كما تتحتم بإسم نفس هذا التساؤل ايضا القاعدة الأخلاقية الوحيدة "الإستسلام للطبيعة" كما خلقها الله مع احترام تلك المقاييس الإجتماعية والسياسية إلخ - التي يبرهن قدمها على صحتها وبالتالي الإفادة بكل الإرتياح من جميع المسرات والخيرات التي تستطيع هذه الحياة تقديمها لنا , والهرب من القسر والإحتراس من تلك العواطف اللاطبيعية كالتعطش إلى الثراء وعدم الثورة ضد الموت والألم لأنهما ضرورتين طبيعيتين ( وهذا هو المظهر الرواقي لفكر مونتاني ) .
لا ريب اذن في ان هذه الخلاق تنتمي - بأساسها الخفي إلى زمرة الخلاق العلوية , ولكنها من التحفظ وبهجة الطابع بحيث لا يمكن اعتبارها إلا كمجموعة مبادئ تخص "الرجل الصالح "ذا التطلع المحدود بعض الشيء أو كفن سطحي ( لمعرفة كيفية الإستمتاع شرعا بوجودنا )
وقد جرى التقليد على التقريب بين إسم باسكال وإسم مونتاني الذى كان مصدر وحي كبير بالنسبة إليه ولكن باسكال ليس في الواقع ذا مذهب اخلاقي وليس حتى فيلسوفا بل هو عالم ومترافع عن الدين المسيحي , ولا يمكن تسميته "اخلاقيا" إلا من حيث كونه رساما للأخلاق الممارسة , أو بصورة ادق لما يسمى اليوم ب "الوضع البشري" , وفي الواقع فقد اقتبس من هذه الناحية الكثير من "الأبحاث" - كتاب مونتاني - على انه اسبغ عليها طابعا تشاؤميا بهدف الإمعان في ابراز ضعف الإنسان وقابليته للعطب , فمخيلة الإنسان تخدعه باستمرار وهو حبيس متطلبات التلاؤم من كل نوع , ويعجز عن الحكم على نفسه بنفسه , كما انه عبد لاهوائه "الترفيه" التي يحاول عن طريقها الهرب من ذاته .
ولكن باسكال يضيف قائلا إن مونتاني قد حط كثيرا من الإنسان كما بالغ الرواقيون وديكارت في المقابل بتقدير عقله , اما الإنسان الأصيل فهو مركب غريب من البؤس والعظمة ولا يستطيع تفسيره سوى المذهب المسيحي وحده الذى يكشف فيه عن الكائن الذى اسقطته الخطيئة ولكنه مع ذلك "ينتج من اجل اللانهاية" .
وليس ما يتفرد به باسكال استنتاجه "اللاهوتي" ولكن بالأحرى طرائقه التي يبغي بواسطتها اقناع قارئه , وذلك على سبيل كمبدئه الذى ينص على أن لكل مجال منهج خاص به , وبالتالي فإنه يجب على العقل المتفوق القوة في مجال الرياضيات أن يخضع في مجال اللاهوت إلى سلطة السُنه الموروثه أو تلك الفكرة "العميقة" التي قوامها أن ارادة الإيمان تقود إلى الإيمان اذ لا يمكن في الغالب الإنضمام إلى مذهب إلا عن طريق الأفعال ( حتى غير الصادقة منها في البدء ) فهي التي تولد - دونما شعور - القناعة ووحدة السلوك .
وهناك على سبيل المثال ايضا تمييزه الأساسي بين "الرتب الثلاث" ( جميع الأجسام لا تساوي أضأل روح من الأرواح ... وجميع الأجسام والأرواح معا لا تساوي أضأل بادرة احسان ) ولعل هذا التميز يشكل اليوم اكثر من أي وقت آخر أوقع تعبير عن ماهية أية اخلاقية .
يتبع
Zurba
03-08-2005, 05:56 PM
ب - ديكارت
كان ديكارت ميتافيزيائيا عظيم الطاقة ولكنه لم يكن اخلاقيا مجددا , وذلك على الأقل فيما يتعلق بقواعد الحياة التي اقترحها علينا والتي نجدها معروضة في (مقالة المنهج التي وضعها عام1637) فهذه القواعد مزيج من البراغماتية التقليدية ( اطاعة قوانين واعراف بلادي ... إلخ) والوحي الرواقي ( الثبات في الآراء ما أن يتم تبنيها وحتى لو لم تكن مؤكدة بشكل كامل [ أن احاول دائما تغيير رغباتي بالاحرىعوضا عن تغيير نظام العالم] )
غير أن هذه القواعد لم تتصد لأن تكون اكثر من اقؤال اخلاقية ميتة بإنتظار الأخلاق النهائية التي كان ديكارت يأمل استنتاجها من علمه ومن ميتافيزيائه بعد اكتمالها , ولكن هذه الأخلاق التتويجية ( التي لم يتح له سوى رسم خطوطها البدائية في مراسلاته وفي كتاب الأهواء) تلتقي بشكل متطابق تقريبا مع تعاليم "مقالة المنهج" سوى انها تستند في هذه المرة إلى مفهوم عقلي عن الإنسان .
من المعلوم أن الإنسان يبدو لديكارت مؤلفا من "آله" حياتية- بيولوجية - ومن "جوهر مفكر" منفعل بالنسبة لبعض وظائفه ( الهواء , الإحساسات , ...... ) , ولكنه فاعل من حيث كونه ارادة ( قدرة لا متناهية على اعطاء أو رفض تحبيذنا) , ويسود بين هذه "الروح" وذلك الجسد تفاعل مستمر أو "وحدة" شاملة إلا انها مستعصية بشكل عميق على الإدراك .
وبنتيجة ذلك فإن الأخلاق , وهي ليست فن القضاء على "الأهواء" كالإعجاب والحب والحقد , بل فن استخدامها لجل تدعيم الأفكار والسلوكيات الملائمة للفرد , تجد نفسها أي الأخلاق أمام طريقين :
- التاثير على "الأهواء" عن طريق الجسد (نظرا لوجود تفاعل) وهذا مصدر الأهمية الأخلاقية للطب .
- التأثير عليها عن طريق الإرادة [ " فإما أن تركز هذه اهتمام العقل على الأشياء المغايرة لتلك التي تولد الأهواء التي ينبغي القضاء عليها , أو أن تجعل الجسد يتخذ مواقف تتنافر مع الهوى السيء , أو أن تفيد من تداعي الأفكار لكي تحمل الهوى على تغيير موضوعه" كما قال "برييه" ] , فتكون هذه الممارسة الحرة للإرادة في الواقع انقى الينابيع طراً "للإكتفاء" شريطة أن تتم الممارسة وفقا "للعقل" ... هذا العقل الذى يجب تعريفه ( وهذه بالطبع مسَلمة ديكارتية) بأنه : اتجاه نحو وعي يزداد وضوحا بإستمرار للمحل الذى يشغله الفرد في "الكل" ( الوطن , الإنسانية , الكون , الإله )
ونحو عاطفة حب وطاعة للنظام الإلهي تزداد عقلانية بإستمرار , وهذا مصدر سلوك "الكرم" ( بحسب تعبير ديكارت ) الذى يقوم على هجر كل مصلحة شخصية والخضوع الفعال بحبور "للعلوية الكاملة" التي يتوقف عليها العالم بأجمعه , ويتفق ذلك فعليا ولكن بصورة عقلانية هذه المرة مع وجهة نظر الرواقية ومفهوم " التقبل" لديها .
يتبع
Zurba
08-07-2006, 09:46 PM
ج - مالبرانش
مالبرانش الأوراتوري ( نسبة إلى سلك الرهبنة الأوراتوري) وتلميذ ديكارت , اراد في
كتاب "بحث في الأخلاق" عام 1684 إكمال اخلاقية ديكارت عن طريق البرهان على صحة
مسلمته القائلة بوجود "استعمال حسن" للإرادة .
ترتبط اخلاق مالبرانش كل الإرتباط بمجموع فلسفته المتمحورة حول فكرة أن توقفنا على
الله (توقف كلي شامل) وهكذا - بحسب مالبرانش - فإنه عندما (تعتقد) ملكة الفهم لدينا أن
لديها تمثلات عقلية فالواقع أن الله هو الذى يؤثر فينا بواسطة عقله الخالد .
وعلى غرار ذلك حين يحثنا "ميلنا" في الظاهر على القيام بتصرف فاضل فإن الله هو من
جعلنا بتماس مع ارادته الإخلاقية أي مع ذلك النظام من الحقائق الأخلاقية الذى يسود في
روحه متناظرا مع تسلسل من الحقائق العقلانية , ونتيجة ذلك أن كون المرء فاضلا يعني
خضوعه لها النظام , دون أن يكون هذا الخضوع ناجما عن طاعه بسيطة فحسب (لأنه ليس
في طاقتنا في الواقع أن نقاوم الله بأي صورة من الصور) ولكنه ناجم عن حب .
وما يعنيه حب النظام هو أن نوجه تصرفنا تبعا (لإعتبار واحد فقط) هو الرتبة النسبية
من الكمال التي منحها الله للمخلوقات ( فذلك الذى يقدر حصانه اكثر من حوذيه أو يعتقد
أن حجرا اجدر بالإعتبار من ذبابة) يرتكب إثما بحق النظام وينحدر إلى هوة الشر .
تلك هي القاعدة الوحيدة التي يجب أن توجه الفاعلية العملية , فمن الواجب الخضوع للأمير
على سبيل المثال لأنه التقمص الأعلى في الأرض للجلالة الإلهية- وذلك طالما كان الأمير
ذاته خاضعا لها - كما أن من الواجب بذل المودة والإحترام للناس على أن يكون ذلك
بصورة متناسبة مع جدارتهم (الحقيقية) , أي درجة مشاركتهم في الإله ( وهذا يعني بالتالي
أن المبشر المتواضع يستحق التقدير اكثر من عالم كبير ) .
ولكن ذلك لم يكن ميسورا إلا قبل الخطيئة الأصلية التي زيفت كل شيء , أما الآن فإن "ميلنا"
(الذى كان مستقيما دوما فيما سبق) معرض للإنحراف , وليس معنى ذلك أن هذا الميل
يستطيع فعلا معارضة الله , ولكنه يستطيع عدم المشاركة تماما في ارادة الله الأخلاقية
أو التوقف لدى الخيرات الجزئية والأنانية .
أما الفضيلة فتتضمن جهدا في التأمل العقلاني ( قد يكون مستحيلا بمعزل عن اللطف الإلهي)
هو الواسطة التي نصل عن طريقها عبر الظلام المخيم علينا إلى أن نلمح مجددا نظام
الكمالات الثابت .
Zurba
08-07-2006, 09:51 PM
د - الديكارتيون المنشقون
1- سبينوزا
تبدو لنا فلسفة سبينوزا (المتوفي عام 1677) من العديد من الزوايا كإشتقاق مستنبط
من الديكارتية وكإفقار لها في الحين نفسه , فمن ناحية أولى في الواقع نجد أن "ثنوية"
ديكارت تتحول فيها إلى "واحدية"شمولية الألوهية , وعلى ذلك فليس الجسد والروح
سوى مظهرين ( لا يبدوان متميزين إلا من وجهة نظرنا الإنسانية البدائية والمحدودة معا)
تتجلى بواسطتهما حقيقة واقعية واحدة هي وحدها الحقيقة الأصلية ( نستطيع تسميتها
الإله , أو الطبيعة, أو الجوهر اللامتناهي ) وهي تتجلى تلقائيا وبالضرورة تحت ضغط
"ميل توسعي" خاص بها ومن ناحية اخرى فإن الأخلاقية السبينوزية الشهيرة ليست أي
شيء آخر سوى التطور المنهجي لفكرة كانت على درجة ثانوية من الأهمية في الأخلاق
الديكارتية , وهي فكرة أن الفرد متوقف بصورة كاملة على النظام الإلهي .
أما لدى سبينوزا فإن الإنسان يبدو كعنصر فحسب , اضطراري ومؤقت , من عناصر
سير الطبيعة - الإله . وهذا ما ينتج عنه أن الإعتقاد بحرية الإرادة الإنسانية ليس
إلا وهما وأنه ليس في الكون ما هو صالخ أو سيء بالمعني الدقيق للكلمة وأن العالم
بما فيه ادق تفاصيله , هو - ولا يستطيع أن يكون إلا - ما يحتويه الجوهر الإلهي .
على انه يوجد مع ذلك حكمة , كما يوجد مثل اعلى للكمال , أما قوامهما فهو الإندماج
عن طريق الفكر بشكل متعاظم الوضوح بإستمرارمع النظام الخالد , وفهم هذا النظام
والخضوع له بإندفاع بهيج . ومن هنا يتاتى ذلك المظهر الإنتفاعي احيانا والصوفي
احيانا اخرى والذى يتميز به التامل السبينوزي , ذلك أن شمولية الإله التي تبرر كل
شيء تدعونا إلى عدم احتقار الخيرات الأرضية , وهي الخيرات الصادرة عن الإله
( فالفرح صالح , والحكمة " تأمل لا في الموت بل في الحياة" , وكذلك فإن من فعل
الرجل الحكيم استخدام الحياة والإستمتاع بها ما امكن ذلك) , ولكن شمولية الإله
تحثنا ايضا على التحكم في اهوائنا وعلى الهرب منها في سبيل التمكن من تكريس
النفس إلى ذكل الحب العقلي المنزه عن الغرض ل " الإله - الكل" , وهذا هو التعبد
الوحيد الذى ينبغي أن نقدمه له ( لأن الأهواء تميل إلى ربطنا بمظاهر في الكون عابرة
وجزئية , وإلى تفريقنا بالتالي عن الإله ) .
وهكذا فإن العيش عقلانيا والعيش اخلاقيا هما إذن مفهومين متماثلين كل التماثل
معناهما الإنصياع الفعال للنظام , وبذلك يصبح الإنسان "حرا" بصورة حقيقية , طالما
أنه يشكل أحدا واحدا مع طاقة الخلق الكلية . كما يصبح ايضا "خالدا" بصورة
حقيقية , وليس خلوده ذلك الخلود العبثي الكاذب الذى وعدت به الأديان , بل انه
ناجم عن كونه يشارك منذ هذه الحياة في "الكائن الراسخ" .
أما الحكيم فإنه يتصرف في الواقع العملي بصورة يحب الله فيها عبر الناس
فهو متواضع إزائهم ومتسامح ( لأنه يعرف الجبرية الكلية التي تجعله
يفهم اخطائهم ) كما انه لا يحمل احتقارا أو ضغينة , ويخضع دون نقاش - من الناحية
الإجتماعية - للقوانين السياسية , فهي صدى الضرورة الإلهية طالما أنها لا تقود
الناس على الأقل إلى الإنقسام والحقد . أما اذا حدث ذلك فهو البرهان على عدم "ملاءمتها" .
ولكن هذا التحفظ الأخير يوضح بجلاء الخطأ الأكبر لهذا المذهب الجدير بالإعتبار
كل الجدارة , الشديد واللين والشامل في آن واحد , والذى اثر في الكثير من المفكرين
( خاصة الألمان ) . أما هذا الخطأ فهو التبرير المبالغ به للإنصياع وللإنفعالية الأخلاقية
إلا اذا تقبلنا دون جدال أو نقاش عقلاني ( كما فعل سبينوزا على أي حال ) ما نسميه "
احكاما على القيم" وهي احكام ينبغي على هذا المنهج أن يرفضها بحسب منطقه
الخالص , ولكنها تتكشف عن كونها لا يمكن الإستغناء عنها فيما اذا رغبنا أن نحتفظ
في الأخلاق بمفهومي " الجهد" و " المبادرة الفردية" .
Zurba
08-11-2006, 02:07 AM
د - الديكارتيون المنشقون
2- لا يبنيتز
كان لايبنيتز المتوفى عام 1716 اقل اخلاصا للديكارتية التي حولها إلى تعددية مثالية :
فكل كائن - بالنسبة إليه - وحدة روحية خالصة أو مونادة " تترجم إلى آحاد أو ذرة روحية"
وهي مجموعة من الإدراكات الحسية التي يشوبها بعض الإبهام ( هذا الإبهام هو الغموض
النسبي في الإدراكات الحسية لذرتنا الروحية وهو ما يبدو لنا على انه "المادة" )
والتي تعكس بصورة شبه شاملة كل الإدراكات الحسية الأخرى , وهذه المجموعة ذات ميل
داخلي تلقائي لجعل النظرة إلى العالم المتشكلة منها تزداد وضوحا بإستمرار . وعلى هذا
فإن طريق الكمال الأخلاقي والعقلاني هو : تاييد هذا الإنتقال إلى ادراكات حسية أشد تميزا
لأن كل "آحاد أو ذرة روحية" حين تزداد معرفة بنفسها فإنها إنما تكتشف بجلاء اكبر
تماثلها مع الذرات الأخرى والروابط التي تشدها إليها والمخطط العام للكون ( كون الذرات
الروحية ) .
ونلتقي هنا بالصعوبة التي صادفناها لدى "سبينوزا" ذلك أن هذا المخطط قد أُريد من قبل
الإله , الذى هو الذرة "الآحاد" العليا اللامتناهية وكاملة الوضوح وبالتالي الخَيِرة بشكل
كامل ... وهي التي نظمت في اصل العالم التطور المستقبل لجميع الذرات الروحية .
فكيف نفسر إذن نقائص الكون ؟ ( كخطيئة آدم على سبيل المثال) الذى كان لايبنيتز
يرغب من خلال ميله الكبير إلى التوفيق اشتماله في فلسفته . وكيف نفسر بصورة اعم
مفهوم "الحرية الإنسانية" ؟
واجاب لايبنيتز على هذا التساؤل بنظريته المتفائلة ( احسن عالم ممكن ) قائلا :
كان لدى الله الإمكانية المنطقية لو شاء خلق عدد لا متناه من العوالم المختلفة , وعلى هذا
فإن "الآحاد" حر من حيث انه كان يستطيع أن يصبح منظم بصورة اخرى .. ومن ناحية
اخرى فقد اختار الله العالم الذى يجمع بين الحد الأقصى من الكمالات , مما كان لابد معه
أن يتضمن (بصورة رياضية) بعض التفاصيل التي تعتبرها "احاداتنا" المتناهية والناقصة
"سيئة" ومثال ذلك خطيئة آدم التي اصبحت في الواقع المنبع اللاحق لذلك "الجمال"
المتمثل بفداء المسيح ( حسب وجهة النظر المسيحية) .
وبالنتيجة فإن الكون الذى أُسبِغت الشرعية - بهذه الصورة - على كل جوانبه هو إذن
"مجتمع مع الله" و يجب فيه على كل فرد في الواقع العملي أن يكرس جميع افعاله لأجل
توضيح "جميع الذرات الروحية" بما فيها ذراته ( عمل لايبنيتز نفسه على تحقيق ذلك
عن طريق فعاليته "الهادفة للكلية" والمتعددة الأشكال) . وسبيله إلى ذلك القضاء على
الأهواء المضللة وتوحيد النفوس وادخال اقصى حد من العقلانية في كل مكان
فتلك جميعا اشكال من محبة الله والإنسجام الذى خلقه وعبادتهما .
Zurba
08-12-2006, 02:45 PM
الأخلاقيات العلمانية الكبرى في القرن التاسع عشر
مضى القرن الثامن عشر الذى كان تجريبيا بصورة اساسية وميالا بالتالي إلى
الأخلاقيات "الطبيعية" فعادت اخلاقيات العلوية إلى الإنتشار خاصة في ألمانيا وكان مصدر
وحيها الفلسفات "الرومانطيقية" الواسعة التي نمت وتطورت في حقبة اعوام 1830 , وهي
فلسفات مزجت بين ميتافيزياء "كانت" وميتافيزياء "سبينوزا", بعد أن عدلتهما تعديلا عميقا
فقد تصور "كانت" ألأن العالم المحسوس الذى نعيش فيه هو عمل بنياني نفذته بعض
"الصور" الخاصة بالروح ف "مادة" غامضة لا يمكن معرفتها إلى الأبد بحد ذاتها , أما خلفاء
"كانت" فقد ازالوا هذه الإزدواجية ولم يقبلوا إلا بواقع واحد , هو الفاعلية البناءة في الروح
هذ الروح التي هي الخالق بشكل كامل لكل هذه المظاهر التي ندعوها "الأشياء"
أما بالنسبة ل"سبينوزا" فقد احتفظ هؤلاء منه بتصورة العام لكن بعد أن بثوا فيه "حيوية"
ذلك المفهوم الذى كان الفكرة الكبرى في تلك الحقبة , أي مفهوم "الصيرورة الكلية" وهكذا
فقد حددوا "الجوهر-الإله" السبينوزي بصورة أقل استاتيكية ( الستاتيك هو القسم من علم
الميكانيك الذى موضوعه توازن القوى) , فهو يبدو لم تطوريا وخاضعا لقانون داخلي فيه
يفرض عليه التقدم نحو انتاجات تتزايد ثراء وتعقيدا دونما توقف .
Zurba
08-12-2006, 02:46 PM
فيخته
يرى فيخته المتوفى سنه 1814 والذى " قلب السبينوزية على وجهها الآخر " انه ليس
هناك سوى حقيقة وحيدة وأوليه هي ال"انا" تلك الروح الكلية التي ماهيتها هي كونها
فاعليه وارادة تهدف بإستمرار لتجاوز الحدود الذاتية لها .. لكن هذه الإرادة تحتاج في
سبيل تطورها إلى وجود حدود أي إلى مادة تعمل فيها مفعولها , ولهذا فإنها تتصدى
لنفسها بنفسها عن طريق "لا انا" وهي نوع من "الصدمة" تسببها لنفسها تلقائيا
( وتكون نتيجتها اولا أن تنقسم إلى عديد من الأنات جمع "انا" الفردية - هي الضمائر
البشرية - وثانيا أن توَلدِ ذلك الوهم الذى ندعوه العالم) . وليست الأخلاقية سوى ذلك
عينه , فهي التطلع اللامحدود إلى تجاوز كل غاية جزئية والتغلب على كل توقف يفرضه
هذا التطلع على نفسه كيما يختبر نفسه بنفسه . (هذا مفهوم له نفوذ عميق في الفكر
الألماني منذ تاملات ايكهارت حوالي 1300)
وقد استنبط فيخته من نظرته هذه اخلاقية عملية تعتبر أن "الكثرة" - أو التعدد- ليست
إلا الوسيلة التي تتيح لل " أنا" التقدم , ويجب أن تهدف الفضيلة إلى العمل على
تحقيق الكمال لدى الآخرين بقدر ما يفعله المرء بالنسبة لنفسه بالذات كما يجب أن تهدف
إلى تنمية انسجام المجموعة وتنمية الحرية الفردية لكل عضو من اعضائها في الوقت
نفسه . وهذا مصدر مثله السياسي الأعلى القائم الإشتراكية الجامعة ( على طريقة
برودون حوالي1840) التي تخص الدولة بدور وحيد هو حماية التفاهمات بين الأشخاص .
Zurba
08-12-2006, 02:48 PM
هيغل
يبدو مذهب "فيخته" كمذهبه اخلاقية للجهد ويكاد أن يمون مذهبا فاعليا , أما هيغل
المتوفى عام 1831 فقد ذهب إلى اعتبار الأخلاق بالأحرى كمرحلة من تلك الصيرورة
الضرورية التي يتشكل منها الكون يصورة اساسية , وبالنسبة لهيغل فإن الكائن الماهوي
هو الفكرة الخالصة ( اللا واعية لنفسها في البدء ) التي تخرج إلى الطبيعة وهي تنمي بهذه
العملية شيئا فشيئا ذخائرها الذاتية ( الكامنة فيها كطاقة في مطلع الأمر ) .
ويقوم المنهج الهيغلي على الوصف الموسع للمراحل المتتالية ( العالم العضوي ... الحياة ...
الإنسانية ... المجتمع ... الفن ... الدين ... الفلسفة ) التي وصلت الروح - ولا تزال تصل -
عن طريقها إلى التحقق الواقعي , اما التامل الأخلاقي فيمثل "البرهة" التي يعي فيها الإنسان
( وهو نوع من الوسيط بالنسبة للروح) عدم كفاية الفردية ويفهم أن الكلي وحده , الأسرة ثم
الدولة هو الذى يتلائم مع مقتضيات الصيرورة .
Zurba
08-12-2006, 02:48 PM
شيلنغ
نجد لديه استلهاما شبيها بالسابق ولكنه يتخذ شكلا اقل "عقلنه" بكثير , فهو يتصور
"المطلق" بصورة رومانطيقية جدا على أنه "دينامية" مقتدرة ومبهمة تتطور بصورة
متناظرة في الطبيعة التي هي نوع من "الذاتية" لها .
ولا تتمثل الأخلاق في فلسفة شيلنغ ( أو فلسفاته لأنه عرض عددا من الفلسفات المتوالية التي
تزداد نسبة الصوفية والشاعرية فيها اكثر من فأكثر ) , لا تتمثل مختلفة عن كونها عملا من
اعمال الحركة التطورية الخلاقة وزمنا من ازمنتها .
Zurba
08-12-2006, 02:49 PM
شوبنهاور
يتصف فكر شوبنهاور المتوفى عام 1860 بطابع خاص اشد بروزا مع انه يماثل في
رومانطيقيته ( اقتبس بعض الإقتباس من الفكر الهندي الذى كانت اوروبا قد اكتشفته حديثا
في تلك الفترة ) فكر شيلنغ , ويخالف بشكل واضح التفاؤل الذى اتصف به معاصروه , فهو
يرى من ناحية اخرى أن خلق الفرد ثابت لا يتغير وبالتالي فإن التبشير باي اخلاق امر لا
فائدة منه مطلقا
فالأخلاق علم نظري ليس له مفعول واقعي ولا دور له سوى سوى أن يصنف , بحسب نظام
تقييمي منطقي الأنماط المختلفة الممكنة للحياة , فالأخلاقية الوحيدة التي يمكن تبريرها في
هذه الظروف وبعد تحليل تخميني هي (الرحمة) التي تهدف إلى نكران الذات بشكل كلي وإلى
المساهمة الكلية في الألم العام .
لأن الكون يبدو لشوبنهارو كإظهار وهمي لإرادة أولى أو ميل اعمى لا عله له أو نهاية
للديمومة والخلق , تجزأ إلى افراد جزئيين واشياء وحيوانات وانسان يشكل كل فرد منهم
"ارادة حياة" جزئية .
وجميع هذه البراعم التي تنتمي إلى ذات الشجرة "تريد" دون هوادة , وتتصارع فيما بينها
على البقاء , وهذا هو المنبع الذى لا ينضب للآلام التي ليس لها من كنه وتتجلى عبثيتها
مزيدا من حيث كون كل كائن في هذا الخضم يؤذي نفسه بنفسه لأن جميع الموجودين ليسوا
في الحقيقة سوى واحد .
وعلى هذا فإن سلوك الحكيم يقوم على الإفلات من هذه الدائرة الجهنمية وذلك عن طريق
الفن أولا , فالفن هو تامل العالم بصورة مجردة عن الغرض ولكن عن الطريق الأجدر
بالإعتبار وهو الرحمة , فهي التخلي عن الذات أو بتعبير آخر ادراك التطابق العميق
للكائنات , هذا افدراك الذى يأذن بفهم ما تتصف به الأنانية من جنون ... فحينما يدرك
الإنسان أن الآخرين هم هو بالذات , وحينما يجعل من الألم الكلي ألمه الشخصي , فإن ارادته
تتنازل عن مكانها , وهذا هو التخلي عن "ارادة الحياة" والذى لو عم لقاد الإنسانية إلى
الخلاص ( النيرفانا البوذية) أو بالاحرى إلى الغناء - السعيد - للنوع .
Zurba
08-15-2006, 10:47 PM
العقلانية الأخلاقية الحديثة
يبدو أن وجه النظر "العلوية" فقدت كل اهمية وعلى أي حال فقد كان آخر ممثل اصيل لها
في فرنسا هو "هملان" المتوفى عام 1907 وهو ميتافيزيائي اكثر منه اخلاقيا ( فلسفته هي
تركيب من فيخته وهيغل وتنصب على وصف العملية التطورية الضرورية التي يتم بحسبها
نشوء "الأنا" الفردية ) . أما العقلانيون المعاصرون فهم يتقبلون بوجه عام أنه ليس هناك
من نظام ( إلهي كان أم غير إلهي ) يبيح استنتاج إلتزام ما منه لأن الحكم التقييمي المسبق
هو الذى يبيح وحده استخلاص نتائج "مقياسية" . ولا يعني ذلك أن مفهوم "المطلق" مفقود
في كل الأخلاقيات العقلانية المعاصرة , ولكنه يصطبغ فيها بصورة عامة بصيغة "فاعلية"
تجددها بصورة شاملة .
غير أن "جاذبية" العلوية لا تزال مستمرة على الرغم من ذلك وتعود ثانية لتنفذ بحذق إلى
العديد من المذاهب التي تبدو لنا وكأنها موضوعية إلى حد بعيد , فتظهر هذه الجاذبية في
تامل "لالاند" الذى ينوه كتابة "العقل والمقاييس" عام 1948 بعزم بأن الأخلاق ليست
- وليس أي علم آخر من العلوم القياسية كالمنطق - اختراعا أو تفسيرا للمعطى الأخلاقي
( وهو معطى موجود منذ السابق ) , لكنها تنهيج عقلاني لهذا المعطى وهكذا , وهكذا فإن
الرغبة في البرهان عن طريق الحجة العقلية على صحة مذهب اخلاقي ما ( هو حتما مبني
على استدلال عقلي ) تعني في الحقيقة الرغبة في البرهان عن طريق الحجة العقلية على أن
حجتنا معقولة ... وذلك شبيه بما فعله " البارون دي كراك" حين اراد رفع نفسه من فوق
ظهر حصان عن طريق شد شعر رأسه هو إلى الأعلى ... فيجب اذن أن يتقبل المرء - متفقا
في ذلك مع من يناقشه في الأمر- أن العقل "قيمة" وأن المعطى الأخلاقي بالتالي يمتلك قيمة
اكبر حين يصبح عقلانيا ويرتبط بمبادئ ( تتطور هي ذاتها على شكل نتائج منطقية جديدة) .
لكن أليس معنى ذلك الإعتراف بمطلق ؟ واللجوء اخيرا إلى الفاعلية الإستدلالية .. تلك
الفاعلية التي لا ريب في أن "لالاند" لا يُعرفها على أنها "عُلوية" ولكنه يعتبرها على
الأقل "كتمحور اتجاهي يتسم به الفكر " . وهو الصدى لدى الإنسان لميل إلى "تمثل"
التنوعات وتوحيد الذات معها يبدو لنا دخوليا في الكون ( مثله في ذلك مثل الميل التطوري
إلى التفريق ) .
Zurba
08-15-2006, 10:50 PM
الأخلاقيات الدينية
المسيحية
1- حصيلة الموسوية
كانت انتقادات "سبينوزا" مطلعا لعدد من أعمال التفسير العلمية التي تناولت الإنجيل بالبحث
والرأي السائد اليوم يبدو وكانه يفرض تقبل فكرة أن "العهد القديم" عمل لا متجانس مكون
من مجموعة من العناصر المنتمية إلى مصادر وأزمان شديدة الإختلاف , ليس هذا فحسب بل
انها تتناقض احيانا فيما بينها , وتحمل في الغالب تواريخ سابقة لأزمنتها ( سواء كان ذلك
عمدا أو دون عمد ) وليس من الممكن دائما نسبتها إلى اصحابها الذين تعزوها التقاليد
إليهم ... فهي اشبه منها ب " تجميع تدريجي " يمكننا ان نلمح من خلاله التطور التدريجي
في المفاهيم العبرية .
ومن المعتقد أن العبرانيين السابقين للموسوية - والذين احتلوا فلسطين حوالي مطلع الألف
الثاني قبل الميلاد - كانوا يمارسون ديانه "انيمية" يدخل فيها السحر على نطاق واسع
وليست قائمة على تعدد الآلهة بمعناه الصحيح , بيد انها تؤمن بعبادة "ارواح الأموات . أما
فكرة الإله الوحيد فلم تنشأ إلا ببطء ( تحت تأثير شخصيات اخلاقية مقتدرة مثل النبي
موسى ) , وكان الإله الوحيد في الابدء قوميا و"غيورا" ثم اصبح كليا وفاديا في عصر
الأنبياء منذ القرن التاسع ق .م ... وهذا منشأ نوع من الإلتباس نجده محيطا ب "يهوه" في
الإنجيل : فهو في سفر "اشعيا" مثلا "الواحد" والمبدا الأخلاقي و "حَكَم الشعوب" ... معبده
الكون بأجمعه الوسيلة المثلى لعبادته ليس القرابين بل طهارة القلب واحترام العدالة ...
وسيأتي يوم ينقذ فيه الإنسانية بواسطة "مسيح" من آلامها التي تتخبط فيها ليقيم مملكة
العدل والخير أما سفر "التكوين" وسفر "الخروج" وسفر "تثنية الإشتراع" وسفر "اللاوين"
فإنها تشيد اكثر ما تشيد بالقدرة الإلهية : فالله وحده خالق الكون والإنسان , ومن الأكيد انه
إله اخلاقي , غير انه مهيمن جبار لا راد لمشيئته ويطلب الطاعة لا لشيء إلا لأنه
( هو الرب , إلاهك) وهو يعد بالثواب أولئك الذين يحبونه ويحفظون وصاياه ويوقع عقابه
كما يلي : " أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من مبغضي"
ومن المعلوم أن وصاياه تتضمن إلى جانب تعاليم طقوسية أو متعلقة بالصحة الخاصة
والهامة , كما تتضمن بالإضافة إليها قواعد ذات قيمة اخلاقية رفيعة . وليس هناك من يجهل
مضمون الوصايا العشر : الإحترام البنوي .. احترام زوجة الغير .. احترام الحياة البشرية ..
تحريم السرقة .. تحريم الكذب .. تحريم الحسد ... وكلها فرائض واجبة لكونها اوامر صادرة
عن إله يعلم حقوقه " لا يكن لك آلهة اخرى امامي " كما يعلم واجباته تجاه من ينصاع لهذه
الأوامر .
ويتضح من ذلك أن المثل العلى يقوم على العدالة الصارمة ( بلغ من صرامتها الأخذ بقانون
العين بالعين والسن بالسن ) التي تشكل بالإضافة إلى الأمل "المسياني" - مجيء المسيح
المنتظر - الذى اشاعه الأنبياء فيما بعد
الميزة الخاصة بالتأمل الأخلاقي العبراني والتي نجد صدى بعيدا لها في الدور الهام - النظري
والعملي- الذى اضطلعت به في تأسيس المذاهب الإشتراكية .
Zurba
08-17-2006, 04:55 PM
2- المسيحية البدائية
لن يكون هناك تركيز على الجانب التاريخي للمسيحية وجانبها الديني بالمعنى الدقيق للكلمة
وكذلك ما يتعلق بشخصية المسيح بالذات ... الذى لم يشأ بعض المفكرين من "بايل" إلى
فولتير وإلى "رينان" , وفي العصر الحاضر "ريناك" اعتباره إلا "ديموقراطي مثالي" أو
حتى "اسطورة جماعية" – كما هو رأي "كوشو" مثلا – ترمز إلى تطلعات اخلاقية معينة في
العهد القديم ( عورضت هذه الآراء برأي مخالف هو صعوبة تفسير النجاح التاريخي الذى
حققته المسيحية فيما لو لم تكن مبنية إلا على اسطورة بسيطة فحسب . فهو نجاح "يستعصي
على الإدراك إذ ذاك كما هو شأن الإسلام مثلا لو جردناه عن شخصية الرسول " وقد
رد "بنوا" على "بايل" في حينه عام 1712 قائلا انه لو اقتصرنا البراهين التاريخية المطلقة
فحسب فإن وجود "بايل" ذاته كما يورده معاصروه سيبدو اسطورة صعبة التصديق ) .
وسنركز على المظهر الأخلاقي للمذهب الإنجيلي , هذا المظهر الذى يميز فيه الكثيرون
اتجاهين لا يخلوان من التناقض
الأول هو اتجاه تشاؤم نسبي ذلك أن الله "آب ضابط الكل خالق السماء والأرض" يلازم
اعتقادا آخر بالشيطان المخلوق المتمرد الذى سقط وجر معه في سقوطه آدم وحواء ... وهذا
مصدر فكرة "الخطيئة الأصلية" التي نُهجت – بل وتكاد أن تكون اخترعت – من قبل القديس
بولس ( ذلك أن الأناجيل لا تتضمن ذكرا لها) , وأدت إلا انه "لا سعادة في هذا العالم" كما
جعلت من العالم منفى و"واديا للدموع " .. ولذا فإن الشاغل الوحيد للمسيحي يجب أن
يكون "خزن الكنوز في السماء حيث الديدان والصدأ لا تُفسد شيئا " ... [ لا تكنزوا كنوزا
لكم على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ] " انجيل متى ". وهذا ما ينتج عنه اخيرا
احتقار كل ما يربطنا بالحياة , واحتقار الأهواء والحب الشهواني وكذلك احتقار الذكاء
المتكبر [ طوبى للمساكين بالروح] .. بل ولعل الخلاص ذاته كما ارتآه القديس بولس –
ايضا- غير ممكن إلا باللطف الإلهي , لا بالأعمال الأرضية .
وحين يقول يوحنا ] أنا هو الطريق والحق والحياة[ أو يقول ايضا انه هو القيامة والحياة ,
فإن ما يقصده بذلك المناداة بأن التقبل الشامل للإيمان , دون أي نقاش , من قبل قلب طار
وخاضع هو الذى يقود إلى "الحياة" الأصيلة الوحيدة .. أي الحياة في ملكوت الله .
غير أن المذهب الإنجيلي مذهب متفائل ايضا لأن "البشارة" المسيحية هي أن الله قبل كل
شيء أب لا متناهي الحب والناس اطفاله .. ويتلخص اصحاح الناموس والأنبياء بالقاعدتين
التاليتين : محبة الله ] احبب الرب إلهك من كل قلبك[ ... ثم لكي نقدم له خير دليل على هذا
الحب محبة الغير ] واحبب قريبك كنفسك[ ... وهذا ما يبرر – كما تجدر ملاحظته – ادانه كل
ما قد يضلنا عن هذا الحب ( كالأهواء والثراء ... ) وادانه الذكاء المتكبر الذى لا فائده منه
لأن مملكة السماوات لا تفتح ابوابها إلا لمن عاغد إلى طهارة الطفل وبساطته ] الحق اقول
لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد لن تدخلوا ملكوت السماوات [ .
ويمتزج وجها المسيحية المتشائم والمتفائل هذان في الأخلاقية التي ألهمت ( إن لم تكن قادت
العالم الغربي) منذ ما يقرب من عشرين قرنا والتي لخصها القديس بولس قائلا :
] لو كنت انطق بألسنة الناس والملائكة ولم تكن فيٌ المحبة فإنما انا نحاس يطن أو صنج
يرف , ولو كانت لي النبوة وكنت اعلم جميع الأسرار والعلم كله , ولو كان لي الإيمان كله
حتى انقل الجبال ولم تكن فيٌ المحبة فلست بشيء , ولو بذلت جميع امواي لإطعام المساكين
واسلمت جسدي لأحرمه ولم تكن فيٌ المحبة فلا انتفع شيئا [ - رسالة القديس بولس الأولى
إلى اهل كورنثوس .... ] وفي الحقيقة والذى يثبت الآن هو الإيمان والرجاء والمحبة هذه
الثلاثة واعظمهن المحبة [ .
تقوم الخلاق إذن على الإخاء وعلى الإحسان وعلى المغفرة التي يجب ألا تقف دون الطوائف
أو الحدود "السامري الطيب" أو دون " من لطمك على خدك الأيمن" أو دون " المرأة
الزانية " ... فمن الأكيد بالتالي انها اخلاق ترفعها طبيعتها الكلية الفعالة فوق المذاهب
الأخلاقية الشرقية بما فيها المذهب البوذي حيث يظل "حب" الحكيم من بعض جوانبه وسيلة
للخلاص الشخصي .
هذه هي الأخلاق التي استلهمتها المسيحية البدائية التي بدأت ك "جمعية فقراء" أو " أسرة
من اخوة بسطاء ومتحدين" – كما تحدث عنها" رينان" – ولكن عودة المسيح واقامة ملكوت
الله تأخرا فإضطرت هذه الجماعة لتنظيم نفسها حتى تطورت إلى كنيسة عالمية ( أو
كاثوليكية) تبناها المجتمع المثقف في العالم اليوناني – اللاتيني شيئا فشيئا .. وتم اندماج
المذهب جزئيا بالفلسفات القديمة الكبرى . حتى حين كان يبدو وكأنه يدين هذه الفلسفات
بفم " ترتوليان" على سبيل المثال ) , فكان ذلك عملا تعقيليا ضخما جرى على مراحل متعددة
( الوحي الأفلاطوني خلال القرون الخمسة للميلاد "القديس اوغسطين" ثم الإتجاهات الصوفية
والأفلاطونية الجديدة من القرن التاسع حتى القرن الثاني عشر " القديس أنسلم " واخيرا
هيمنة ارسطو بواسطة "القديس توماس" منذ القرن الثالث عشر ) . وادى في خاتمة المطاف
إلى المسيحية الحديثة ... وهو مسيحية يمكن أن يقال عنها من وجهة نظر اخلاقية بأنها
حققت تركيبا من الإتجاه المسيحي المحض الذى يعتبر الإله أبا تنبغي محبته ومن الفكرة (
العبرانية بالحرى) التي تنظر إليه كسيد يجب خشيته ومن المفهوم اليوناني الذى يعتبر الإله
الذكاء الأعلى الذى يجب عقلانيا احترام قوانينه .
Zurba
08-18-2006, 12:14 PM
3- المسيحية الحديثة
لم تحول المسيحية من اصولها الأولى إلى "كنيسة" بطرائق متنوعة إلا انها تلتقي جميعا
في الواقع :
ففي البدء ولادة "لاهوت" يزداد تعقيدا شيئا فشيئا ويهدف إلى "البرهان" على وجود الله
وتحديد خصائصه ( هذا مصدر نشوء العقائد ومنها عقيدة الثالوث التي قد تكون صدى
لإستلهام المسيحية الثلاثي ... حيث الله القدرو والحب والذكاء) .. ثم التنظيم الذى لم يلبث
طابعه التسلسلي أن شرع يتوضح بالتدريج .. ثم التأثير الزمني ( الإجتماعي والسياسي )
المتزايد , وقد لازم عدم التسامح ( يستند عدم التسامح إلى العبارة الإنجيلية الشهيرة في
انجيل لوقا "اجبرهم على الدخول" – في الحقيقة الوحيدة) المرحلة الأولى بالضرورة تقريبا
كما لازمت المنافسات البشرية والمصالح المادية المرحلتين الأخريين , وتجلى كل ذلك
بصورة تاريخ حافل بالإنقسامات والحروب والإضطهادات والإنحطاطات الوقتية
و"اليقظات" ... ولهذا ندد الكثيرون من اعداء الكنيسة سواء من المعتقدين بالكنيسة
أو الملحدين على السواء ولا سيما فولتير بالكاثوليكية ساخطين أو ساخرين لإبتعادها عن
روح الإخاء التي كانت تسود المسيحيين الأوائل , ولكن لا ريب في أن حكم "مونتسكيو"
كان خيرا من احكامهم حين أوضح أن ] من سوء المحاكمة تجميع ما نتج عن الدين من
اخطاء في دفتر احصائي كبير فيما اغفلنا ذكر ما صنعه من حسنات [ .
ومهما يكن من امر , فلو اعتبرنا هذا النمو من وجهة نظر اللتأمل الأخلاقي المحضة ,
لوجدناه يسير جنبا إلى جنب مع خط تطوري اتخذ اشكالا عديدة بصورة متلائمة مع
التيارات الثلاثة التي ذكرناها وادت هذه الأشكال إلى انماط حياتية تختلف عن بعضها
بعض الإختلاف .
1-اخلاق القلب والعاطفة – الله محبة قبل كل شيء , وتقليد يسوع المسيح هو "الإندماج
في الله" كما قال القديس برنار , عن طريق نبذ العالم وما فيه من خيرات والصلاة والخشوع
والممارسة الدائمة للإحسان وبذل النفس للغير ... وهذا مصدر " الرهبنة
والكهنوت "النظامي" وهي مسيحية القديس فرنسوا الأسيزي التي تهاوت من ناحية
إلى ذلك التدين السهل لدى اولئك اليسوعيين الذين هاجمهم باسكال ( وشوه صورتهم في
الحقيقة ) , وبولغ فيها من ناحية اخرى حتى اصبحت تلك "السكينة الصوفية" لدى فينيلون
(حيث الكمال الروحي هو التأمل في الله تأملا عاشقا ولكن لا فعالا .. ) , وفسرها تولتسوي
من ناحيته بأخلاق قائمة على الغيرية الشاملة ... واخيرا فإن هذه المسيحية هي التي تشكل
الإتجاه الحالي للكاثوليكية ( ولا سيما الفرنسية) التي ترغب بإستعادة الجماهير إليها عن
طريق العودة إلى ديموقراطية المسيحية الأصلية .
2- اخلاق التزمت – الله قبل كل شيء هو الرب ذو المقدرة كل المقدرة وله نواياه
واغراضه التي لا نستطيع لها ادراكا . وهو الذى ينقذ من يشاء انقاذه , أما الإنسان فهو
مذنب قبل كل شيء . هذه هي المسيحية التي نادت بها "الجانسينية" , وهي مسيحية
محمومة مبنية على الخشية . وكذلك فإنها ليست اعتقادا لا هوتيا بالقدر السابق المحتوم
بمقدار ما هي مبدأ اخلاقي صارم لا يعرف التساهل وهذا ما اثار ضدها اضطهاد لويس
الرابع عشر الذى كان ( يحب دينه ولكن لا يطيق تحمل اولئك الذين يقولون بالتشدد في
تطبيق الدين بحذافيره ) كما كتب مونتسكيو .
3- الأخلاق العلمية – تشكل هذه الأخلاق خاتمة المطاف , على صعيد المذهبية الأخلاقية ,
بالنسبة لمفهوم "إله الفلاسفة" ذكل المفهوم الذى هاجمه باسكال والقائم على اعتبار
الإله "عقلا محضا" بصورة اساسية .. وبذلك تتحدد الأخلاق على انها التطبيق العملي
بصورة رئيسية لتلك المعرفة العقلية ب" المباديء " الإلهية , هذه الماديء التي يمتلكها
الإنسان بصورة فطرية ( ولكن الأهواء غالبا ما تحجبها عنه) .. وهذا موقف القديس
توماس , بشكل خاص بين الذين الكثيرين ممن اعتنقوا هذا الرأي الذى يمزج بين أرسطو
والوحي المسيحي , مؤديا إلى تمييز اربع فضائل "طبيعية" يدخل في طاقة الإنسان اكتسابها
بمفرده وهي ( العفة , الشجاعة , الحكمة, العدالة) وثلاث فضائل اخرى " لاهوتية"
لا يستطيع اكتسابها إلا بفضل اللطف الإلهي وهي ( الإيمان , الإحسان , الأمل ) .
بيد أن مفهوم "اللطف الإلهي " ( الذى يصبح مصدرا لمصاعب لا عداد لها حين يتعلق
الأمر بتفسير طبيعة المسؤولية الإنسانية ) يعود بنا إلى فكرة "الإرادة الإلهية" التي تجابهنا
بمشكلة اساسية لمحها افلاطون في حينه وهي التالية : هل الخير ما يريده الله فحسب , أم
أن هناك خيرا اكثر علوية من الإله , فالإله يأمرنا فقط باحترام ذلك الخير ؟ ... واذا كانت
هذه المسألة سهلة الحل بالنسبة للميتافيزياء القديمة التي تستبعد فكرة الإله كلي القدرة فإن
اللاهوتيين والفلاسفة الحديثين طرحوا اجابات يشوبها الغموض , ولا ريب في أن الحل
المنطقي الوحيد هو ذلك الذى جاء به امثال "ابيلار" و "دانز سكوت" و"ديكارت" .. أي
الحل الذى يحترم القدرة الإلهية الكلية . أما اذا اتبعنا آراء القديس توماس و"لايبنيتز" فإن
الإعتقاد بأن الخير خلق بشكل تحكمي مما "يشين الألوهية" إذ لا يجب اعتبار الإله اصلا
للخير مستقلا بذاته ولكنه منبع الإلتزام المترتب علينا بالبحث عن الخير ..
وفي الواقع فليس من المستحيل أو اللامعقول تخيل أن الله كان يستطيع لو شاء ايجاد جدول
آخر للقيم في الكون مغاير للجدول الحالي . إذ أن كل ما يتضمنه هذا الإفتراض أن يخلق
عالما آخر وانسانية اخرى متلائمين مع ذلك الجدول ومختلفين بالتالي عن العالم وعن
الإنسانية اللذين نعرفهما .
ولا بد لنا من أن نلحظ اخيرا أن فكرة "النظام " المستقل عن الإله قدر لها أن تشق الطريق
لجميع تلك "الأديان العلمانية" الفريدة التي شهد القرن التاسع عشر ولادتها ..
Zurba
08-25-2006, 12:59 AM
4- البروتستانتية
تحتل البروتستانتية المقام الأول بين الإنشقاقات المسيحية العديدة , سواء من وجهة النظر
الروحية أم من حيث اهميتها العددية وهم موزعون بين ما يقرب (250) طائفة نستطيع
اعتبار خمس منها فقط "كنائس" اصيلة بالمعنى الدقيق للكلمة وهي الكنائس اللوثرية ,
المعمدانية , المنهجية , الكالفينية (بفروعها) , الإنجليكانية . ومن المعروف انها كانت في
الأصل وليدة تامل "لوثر" المتوفى عام 1546 والذى كان ممثلا انموذجيا لذلك الفكر
الألماني [ الذى لا يصل إلى الله إلا عن طريق تدمير العقيدة المتكونة وعبر كآبة العدم ]
كما وصفه "توماس مان" , كما يعتبر بشكل عام أن الوجود لا يتأكد ويكتشف نفسه
إلا بواسطة السلبية المسبقة واظهار الطاقات الكامنة .
وفي الواقع فإن الكشف اللوثري يقوم على أن " الإنسان يبرر نفسه بواسطة الإيمان
وحده , لا بواسطة الأفعال " وهذا بحسب القديس بولس , وهذا ما يعني أن الأبرار ذاتهم
لا يستطيعون فعل الخير ... وأن اليأس واجب بالتالي ( ما دامت الخطيئة محتومة) فيما اذا
لم تنفتح ابواب الخلاص للإنسان بواسطة هذا اليأس ذاته , والإستسلام الكامل للحب
الإلهي , والإيمان المطلق اللاعقلاني ... وتتضمن هذه النظرة بطبيعتها أن الله قد اختار
اولئك الذين يريد انقاذهم ( لأن مثل هذا الإيمان ليس في متناول يد كل شخص ) وأن
الشعور المؤلم بالخطيئة هو علامة هذا الإختيار الذى لا يمكن ادراكه . وهذا مصدر القول
الشهير " اذنب بشدة وآمن بشدة اكبر " , وهو قول لا ينبغي فهمه على انه تشجيع على
المعصية ولكنه تاكيد على أن الدين مشكلة فردية قبل كل شيء ومسألة حماس وحمية
شخصيين .
كانت الظروف السياسية السبب الأوحد الذى ارغم لوثر على انشاء منظمة كنسية متسلطة
وهو العدو المنطقي للمؤسسات الدينية التي يعتبرها " قوانين وشباكا للأرواح " . أما
عمل "كالفن" فيشكل عودة عقلانية إلى فكرة الكنيسة : ففي الحين الذى يشاطر فيه هذا
المشرع الديني الفرنسي آراء لوثر المتشائمة بكاملها حول الوضع البشري يقول بتحويل
اهتمام المؤمن عن هذا الوسواس عن طريق العهدة إليه – كائنا ما كان قلقه – بمهمة اكبار
الله واعظامه التي وسيلتها خدمة الله على هذه الأرض . ومن الصحيح أن "الإله" الكالفيني
ناء لا يمكن الإرتقاء إليه في ذروة " جلاله الرهيب " وهذا مصدر ادانة كل لاهوت عقلاني
بيد أن في طاقة كل شخص يؤدي له العبادة عن طريق قيامه بإنجاز رسالته الخاصة به على
خير ما يمكنه . ويختلف كالفن عن لوثر في تصوره للدولة , فهو لا يعتبرها قائمة من اجل
تفادي بعثرة الطوائف الدينية ( على غرار لوثر) بل يعتبرها كمنظمة ( تحت قيادة الصفوة
الروحية ) مهمتها أن تتيح لكل شخص أن يؤدي اجتماعيا ما قدر الله له أن يفعله
وهذا مفهوم نستطيع أن نجد صداه في الليبرالية الفاعلية التي تتبناها الولايات المتحدة
الأمريكية ( القائمة على تركيب المنظمة الفكرية والمبادهة الفردية ) كما نجده في
" اللا اخلاقية " الأدبية لدى " اندريه جيد " البروتستانتي السابق : [ أن يكون المرء
ذاته بشكل كامل , وأن يختار , يعنيان أن يجد المرء نفسه بنفسه , أي أن يكره بالتالي
كل ما يحول دون " اللا ارتباط " ويمنع المرء من أن يجعل من نفسه " المخلوق الذى
لا مثيل له بين المخلوقات ولا يمكن الإستعاضة عنه بغيره " ].
Zurba
08-25-2006, 01:01 AM
5- " الأديان العلمانية " الحديثة
كان من اثر الهزة التي احدثتها الثورة الفرنسية أن انصبت الفلسفة الأوروبية بمجملها
في القرن التاسع عشر على محاولة اكتشاف "انجيل" حديث أخلاقي واجتماعي .. بحيث
توافر فيه الإحتفاظ بالإستلهام المسيحي من ناحية والإستناد من ناحية ثانية إلى أسس
اخرى غير السنن الدينية الموروثة , التي كانت محفوفة بالشكوك في تلك الفترة ...
وقد نقب المفكرون الألمان عن هذه " العلوية المحدثة" في فكرة "الصيرورة الكلية" ,
أما الإصلاحيون االفرنسيون في اعوام فقد اتجهوا إلى " الإنسانية" معتبرين إياها كواقع
أعلى يتجاوز الفرد بما لا نهاية , ويتحكم فيه بالتالي .
سان سيمون والمسيحية الجديدة – وضع سان سيمون المتوفي عام 1825
أسس المسيحية الجديدة التي حولها تلامذته فيما بعد إلى كنيسة حقيقية قائمة على
الشمولية الإلهية ( وزودوها بالطقوس والتسلسل الكهنوتي ) وقد ارادت هذه المسيحية
المحدثة الإحتفاظ بالقاعدة الذهبية " احبوا بعضكم بعضا " فعمدت إلى دمجها في تنظيم
اجتماعي مبتى على (المقدرة) وحدها وتسوده روح واحدة : الإخلاص للعمل المشترك
القائم على الإستثمار التقني لخيرات الكرة الأرضية , بصورة اوسع فأوسع , في سبيل
خير الجميع ...... وهذا النوع من الأخلاق " اخلاقية قائمة على الإنتاج الصناعي" ذات
ميزة جديرة كل الجدارة بالإعتبار هي ادراكها ( الذى اخذته عنها السوفياتية الروسية)
أن عملا ذا نزعة جماعية كهذا لا يمكن أن يستمر أو يتقدم إلا اذا كان صادرا عن حماس
كما لابد له ايضا من خلق "ايمان " ما , وهو هذا الإندفاع النابع عن وحدة الهدف
المشترك .
أوغست كونت ودين الإنسانية – يهدف دين الإنسانية الذى
وضعه أوغوست كونت المتوفى عام 1857 إلى الحفاظ على بنيان الكاثوليكية وعلى
مثلها الأعلى الغيري ... ولكنه يستعيض عن فكرة "الإله" التي يعتبرها قديمة ماضية
بفكرة ط الكائن العظم " وهو الإنسانية التي ليس الفرد شيئا بدونها ... وعلى ذلك فإن
دور الأخلاق هو تطوير الإتجاهات الإجتماعية بإسم قاعدة وحيدة هي : " العيش لأجل
الآخرين " وفي نطاق البرنامج الأساسي للمجتمع "الوضعي" , وتتلخص هذه القاعدة في
التعبير التالي : [ الحب هو المبدأ , والنظام هو الأساس , والتقدم الهدف ]
مذهب "فورييه" – يماثل مذهب فورييه المتوفي عام 1837 المذهب السابق
من حيث كونه جماعيا , بيد انه يختلف عنه كل الإختلاف في نظرته إلى الجماعية , فهو
يستند إلى فكرة تقوم على مبدأ "العناية الإلهية" الذى يقود الكون بأجمعه , وعلى اعتبار
الأهواء صالحة لأنها " طبيعية" .. ولذا فلن يتيسر الوصول إلى الإنسجام الإجتماعي
إلا عن طريق اصلاح يأذن للأهواء بالإنطلاق الحر .
ويتلخص منهجه بما يلي : ( استبدال قيود القسر الحديدية بقيود الهوى المصنوعة من
الورد ) .. وذلك عن طريق جعل الناس يعيشون على شكل مجموعات صغيرة ( خلايا )
كل منها مزيج من " دير تيليم" ( مجموعة من الأبيقوريين تخيلهم "رابليه" في قصته
" غارغانترا" فإقتبست اللغة الفرنسية هذا التعبير الذى اصبح وصفا للمكان الذى يجتمع
فيه بعضهم لتذوق المباهج والمسرات المترفة ) ومن معسكر كشفي ومن منظمة قائمة
على قائمة مبدأ " القوة عن طريق الفرح " وتعيش المجموعة بحيث تكفي نفسها
بنفسها من ثمرة عمل الجميع [ويؤدى العمل كما تؤدى لعبة رياضية , من قبل فرق
تتنافس على الفعالية المرحة ] كما يستطيع كل عضو فيها اشباع جميع ميوله
( حتى الجنسية منها ) بحرية تامة .
برودون – يجب الإشارة أخيرا إلى أن الفكر المعقد الذى جاء به برودون
المتوفى عام 1856 والذى يتنازعه الإعتقاد بالمساواة ( بشكل قريب إلى الفوضوية)
من ناحية والإقتناع من ناحية اخرى بوجود "ميل" كلي اعلى يسود العالم , هو العدالة ..
فيجب أن تهدف الأخلاق بالتالي إلى انشاء وضع اجتماعي يمجد الكرامة الإنسانية
والفردية .. ولكن منازعات انات ( جمع الأنا) الأفراد يجب أن تتوازن في هذا الوضع
بحيث لا تحتفظ كل "أنا" إلا بما فيها من عقلاني ( وهو الصدى في كل "أنا" للعدالة
الكونية ) .. وهكذا ينشأ " العقل الجمعي " .
رينان , مورا , باريس , بورجوا – كان نتاج فكر كونت بين النتاجات السابقة
جميعا ابعدها تأثيرا .. فنكتشف هذا التأثير مثلا في فكر رينان الذى اتصف بالتبدل .. وقد
تصور رينان دين المستقبل ك " عقيدة انسانية خالصة , أو عبادة لكل ما ينبع عن الإنسان "
ولا سيما العلم , ثم عاد في أواخر حياته حين انتابه شعور بالتشاؤم المعادي للديموقراطية
فإعترف بأن الدين المسيحي دون غيره هو الذى يستطيع انتزاع الإنسان من براثن
الوضاعة الغريزية , فيجب بالتالي التصرف " وكأن الدين المسيحي صحيح " .. ويصبح
العلم آنئذ اداة بيد " عدد صغير من الحكماء" يستخدمونه لفرض احترام القيم الروحية
على " الجماهير" التي لا يمكن تثقيفها .
وكذلك فإن المكانة التي جعلها فكر كونت للنظام هي الجانب من الوضعية الذى احتفظ به
في عصرنا الحاضر مفكرون من امثال مورا وباريس .. فليس الفرد - في نظرتهم - سوى
انتاج " عابر" للجماعة , اما الواقع الأوحد ( الذى يفرض نفسه بفضل حسناته البدهية)
فهو السُنة البشرية الموروثة .. وهي في نظر مورا السلطة الملكية , أما بالنسبة لباريس
فهي الأمة , والأرض التي ولد فيها الإنسان , والأموات .. ويمكن لهذه السُنة الإستناد إلى
الكاثوليكية , ولكنها لا تحتفظ منها ( ضمنيا) إلا " بقيم" معينة هي ثباتها واستمرارها
عبر الأجيال .
واخيرا فهناك الخلاق " التضامنية" التي جاء بها " ل . بورجوا" فقد عمدت إلى فكر
كونت ايضا فإستخلصت منه بشكل خاص الفكرة القائلة بأن كلا منا مثقل بدَين بالغ تجاه
المجتمع .. وهذا الدَين ذو صفتين في آن واحد : فهو " إرث" من ناحية ( اللغة , النظم ,
إلخ ... ) فهي " الكنز الذى جمعه الأجداد بالتدريج " , وهو من ناحية اخرى " الربح"
الذى يعود علينا من عمل جميع معاصرينا .. ولهذا فإن الأفراد جميعا مترابطون يجمعهم
التضامن الكلي ( وهذا قانون كوني يتحكم في الكواكب ايضا) .. وذلك هو مصدر قاعدة
اخلاقية " حتمية" وهي التالية :
يجب علينا أن نساهم في هذا "الكل" وأن نريد نحن ايضا أن نكون اعضاء فعالين في
الإنسانية أما الشر فهو تفضيل العيش بمعزل عن هذا الجسم الذى نحن اعضاؤه .
Zurba
08-29-2006, 06:00 PM
الأخلاقيات الطبيعية
1 – المذاهب الطبيعية
المذاهب "الطبيعية" بصورة فعلية , أي المستندة إلى مفهوم جماعي عن الطبيعة , وعن
المكان الذى يشغله الإنسان فيها ( ليس لهذا المفهوم من "العلمية" بصورة عامة سوى
مظهرها ) . وقد شكلت هذه المذاهب غالبا مدارس كبيرة النفوذ على الرغم من غموض
الأسس التي قامت عليها ( لعل ذلك بفضل هذا الغموض بالذات )
أ- الأبيقورية
: لم يحاول الفكر الأبيقوري ( يعود إلى أواخر القرن الرابع ق.م )
مطلقا الزعم بأنه يشكل " مذهبا اخلاقيا" من النمط التقليدي بل كان يأبى استعمال " تلك
الكلمة الضخمة : الفضيلة " , مكتفيا ببساطة باعتبار نفسه كمنهج للحياة السعيدة , اما
السعادة فقد كان قطعيا في تحديده اياها بأنها كامنة حصرا في "اللذة" التي يبعثها فينا
الإستسلام إلى ميول طبيعتنا الإنسانية , وهذه الميول نتائج منطقية لما هي "الطبيعية " بحد
ذاتها .
ويصف "أبيقور" هذه الطبيعة مستعينا باقتباسات عن فيزيائيي القرن الخامس ق.م ولا سيما
( ديموقريط ) الذى لم يحتفظ منه – وبصورة براغماتية – إلا بما يبرر اختياره الأخلاقي
المسبق : أي اعتبار الكون آلة محضة , أو مجموع عدد لا متناه من "الذرات" أو "الجواهر"
الخالدة والممتنعة على الفناء .. وتفسر اشكال هذه الذرات وحركاتها وامتزاجاتها المتنوعة –
وهي جميعا وليدة الصدفة – تفسر جميع الظاهرات الفيزيائية والبيولوجية ... فليس قوام
الروح ذاتها سوى اتحاد انتقالي بين جزيئات بدائية كهذه لا تختلف عن مثيلاتها إلا بكونها
اكثر حيوية ونفاذا من غيرها , ثم تتبعثر الروح بعد الموت ( كما هو شأن الجسد ) وتفنى ...
فليس الخوف من الحياة الأخرى والذى يفسد حياة الكثيرين من ذوي العقول الضعيفة سوى
خديعة . وعلى أي حال فإن الآلهة ( الذين لا ريب في وجود بعض منهم ) لا يلقون بالا إلى
العالم أو إلى الناس , وليس من شأنهم – على الأخص – محاكمتهم .
ينبغي ألا نستخلص مما سبق أنه يجب الإنسياق دون تفكير وراء جميع الرغبات النفسية –
العضوية الناجمة بالضرورة عن آليه تلك " الآلة" شديدة الضخامة , المكونة من الذرات ...
فهناك نهج حسابي منطقي خاص بالسلوك , كما يلي :
من البدهي أن نفر من الألم , اذا لم يخرج عن نطاق كونه ألما صرفا ... ولكننا نستطيع تقبل
هذا الألم اذا كان من شأنه في خاتمة المطاف أن يجلب إلينا تلذذا أشد منه ... وكذلك الأمة
بالنسبة للذة إذ يجب أن نبحث عن اللذة الصرفة , ولكن علينا أن نهرب من تلك اللذة التي
تؤدي في النهاية إلى احداث ألم اكبر منها .
ويقودنا هذا الحذر الحسابي إلى التمييز بين الحاجات الكبيعية الضرورية من ناحية كالطعام
والنوم وإلخ ... وهي سهلة الإشباع دائما , فيكفيها بعض الماء أو الخبز أو غطاء للنوم ,
وبين الحاجات الطبيعية غير الضرورية من ناحية ثانية ( كالرغبة الجنسية إلخ ... ) التي
يستسلم لها الحكيم اذا اتيحت له الفرصة , شريطة أن يتفادى دائما تكونت عادة تجعله عبدا
لهذه الرغبات فتسبب له الألم بالتالي اذا لم يستطع اشباعها ... وبين الحاجات غير الطبيعية
وغير الضرورية من ناحية أخيرة ( كالمجد , الثراء , إلخ ... ) والتي يجب على الحكيم أن
ينصرف عنها لأن الحصول عليها يتطلب جهدا يفوق التلذذ الناجم عنها .
يجب بالتالي أن يعيش المرء حياة متوازنة وبسيطة ومتواضعة دون أن يبحث إلا عن لذة
الصداقة ( تلك اللذة الصافية المتجددة دوما ) ودون أن يؤذي احدا ( مما يجنبه التعرض
للإنتقام ) , ودون أن يحسد احدا .. كما يجب أن يتحمل الألم ( لأنه لا يدوم ابدا ويمكن
محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة ) ... وعلى أي حال فإن
الحكيم يستطيع دائما هجر الحياة اذا اصبحت لا تطاق " كما يغادر غرفة اصبحت مليئة
بالدخان " مادام الموت ليس امرا يبعث على الخشية .
يتضح لنا مما سبق أن "أبيقور" يصل بالنتيجة إلى احياء جميع الفضائل التقليدية : التعفف ,
الصداقة , الشجاعة , إلخ ... ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية ( والتي تقوم ميزاتها
الرئيسية على تذكير الناس بأن الألم يتوقف بنسبة كبيرة على التقدير الذى نضعه نحن ذاتنا
للأشياء ) كان من نصيبها انها ] لاقت من النجاح بسبب مقدماتها اكثر مما لاقته بفضل
نتائجها [ على حد تعبير " ريفو" .. بل واصبح المفهوم غالبا مما يعنيه الإنضمام إلى
الأبيقورية البحث المنهجي الأمثل عن المتع السهلة وفضلا عن ذلك فإن الأبيقورية تتطلب :
1- ظروفا اجتماعية خاصة فقد استطاع " فونتينيل " مثلا – حوالي عام 1730 – ممارسة
حكمته المشوبة ببعض الأنانية والمستوحاة من الأبيقورية مطلقا عليها إسم "اخلاق المتع
الصغيرة " , ولكن ذلك مما يستحيل في يومنا هذا الذى ليس في طاقة المرء فيه الإنعزال عن
الجماعة .
2- طبيعة مسبقة , عذبة وحساسة , ( أي طبيعة أبيقور ذاتها ) أما الإندفاع الأهوج للغرائز
الجارفة , أو حتى الهيمنة اللامحسومة للرغبات " الطبيعية غير الضرورية " فهما أمران لم
تتوقعهما في الواقع هذه الأخلاقية المشذبة كل التشذيب في الأساس .
موضوعكَ في قمة الروعة .. و الابداع و على مجهودك الكبير في الموضوع ..
تحياتي لكَ
SUN
Zurba
11-01-2006, 10:44 AM
أهلا بك شمس
تمنياتي بالفائدة الجمة لك..:)
أصافحك
Artistia
02-15-2008, 12:19 AM
زوربا
تحياتي الطيبة لك وللجهد ..
وعد مني بقراءته ليس لك
وإنما وعد لنفسي النهمة للمعرفة ,,
شكراا
هلأ عالمفضلة !
أرتستيا
دمت متألق زوربا مهما غبت
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.8.3
bdr130.net