هاملت
04-20-2005, 10:36 PM
منذ أربعة قرون يبحث نقاد الأدب والمسرح عن هوية شخصية "هاملت" التي كتبها وليام شكسبير عام
(1601) وقدمت للمرةالأُولى عام (1603) دون التوصل إلى نقطة تدل على تحديد الملامح الأساسية لهذه الشخصية التي تُموه القارئ داخل ألغازه وباطنيته .
قد لا نحتاج هنا إلى تفسيرات مكرّسةفي شرح قصة المسرحية وتاريخها بقدر احتياجنا للتفسيرات الأُخرى التي ترى في هاملت " لغزاً " تمخض عنه طوال هذه القرون التجاهل تجاه هوية قاتل هاملت الأب .
في هذه الحال وكما هو شائع في البحث عن أسباب هذه الجريمة التي تشغل الأدب والمسرح العالميين حتى الوقت الراهن هو أن زوجة الملك " غيرترويد " وأخيه " كلوديوس" استغلا وجود هاملت الإبن في الدنمارك وسمماه من أجل السيطرة على المملكة . وتقتضي أسباب الجريمة ذاتها ظهور طيف الملك لهوراسيو كي يخبر صديقه هاملت و تتضح حقيقة الغدر بأبيه . فمنذ أربعة قرون تسيطر هذه " المطلقية " على رؤية أسباب القتل والثأر والبحث عن الغريزة والسلطة في آن واحد على مجمل " الشكسبيريين التقليديين" في عالم المسرح والنقد دون النظر إلى ماوراء الكلمات والأفكار التي تضمن هوية القاتل الحقيقية.
وهذه المطلقية نفسها دفعت هاملت إلى تأسيس حالة فتنة أُخرى غير فتنة القتل واستبعاد أصابع الإتهام عن دائرة علاقاته التي تتمثل بالغموض والإختباء وراء حالة تأمل سوداوية تفرض فرضيات الوجود واللاوجود على كيفية العلاقات في المسرحية التي تتركز بالدرجة الأُولى على قتل الملك ومجيئ الأخ " كلوديوس " ملكاً وزوجاً للملكة . وهناك دائرة أُخرى مرتبطة بهذه العلاقات ولها صلة وثيقة بشخصية هاملت أو هي عقدته بالأحرى وهي " أُوفيليا " التي تكشف لاوعي هاملت من خلال دفن عذريتها في عالم الجنون . فمشكلة هذه الشخصية المفتوحة لكل اتجاهات الشكّ واليقين معاً لا تتبدى في جملته التي أصبحت هويته ( أكون أو لا أكون تلك هي المشكلة ) بل بإختبائها فيها وعدم تمكنها بالخروج منها وتسمية الأشياء ( مشكلة لا أستطيع تسميتها ) تعطينا هذه الجملة التي تظهر فيها صورة هاملت الحقيقية وتُبطل قدرته على التظاهر بأخذ الثأر و
" القدرة الإروتيكية " ضمنياً .
تسود أجواء المسرحية بدءً من ظهور طيف الملك وإعلان حقيقة موته الكآبة وطقس دموي مستمر تختبيئ فيه جميع الشخصيات وكأن غريزة ثاناتوس " الموت" أصبحت إعلاناً مطلقاً للأشياء في تخوم جغرافيا الموت إبتداءً من هاملت الأب وإنتهاءً بهاملت الإبن ، وماتت بينهما الأًم غيرترويد و كلوديوس وبولونيوس ولايرتس وأوُفيليا.
ذهب الكثير من النقاد والمحللين للنص بأن الصراع الرئيسي في هذه الأجواء الدموية هو الصراع على السلطة وأعتمد الكثير من الكتاب المسرحيين في إعادة إنتاج النص على أساس هذه الفكرة التي تتهم بولونيوس دون الخوض في تفاصيل الجريمة وماوراءها لأنها تُسّهل وتختصر طريق الوصول إلى العقدة وإنهاء شكّ الجميع بموت الجميع .
قبل هذا الطقس الدموي وضمن مشهد كان من المفترض أن تتكون عناصره من الحب ومستقبل إيروتيكي يطلب هاملت من أوُفيليا ترك الحياة والذهاب إلى الدير ثم يعلن في مونولوج طويل هويته التي هي عدم القدرة على تسمية الأشياء وتحديد كونه وجوداً . يظهر هنا جانبان مهمان في هذه الشخصية وهما :
- قلق وجودي ، تتكامل عناصره من التفوق والدونية والتي تقوده في نهاية الأمر إلى الإنكسار.
- الخوف من المرأة وعددم الثقة بها.
زد على ذلك إبراز الجانب الطفولي عنده كلما رأى نفسه أمام المرأة مع غموض مُكوّن من عدم الإفصاح عما يفكر فيه ، ويمتزج النشاط اللغوي والنفسي والحلمي عنده في هذه الحال لا كفعل إدائي للحالة الظرفية بل كمرجع يتكون منه الخطاب .
من هنا يعيد الناقد الفرنسي " بيير باييار" في كتاب صدر عن دار (Les Éditions de minuit) بعنوان
(لبحث عن هاملت) سؤال " فرويد " إلى الواجهة في النقد والتحليل وهو السؤال الذي يزعج
" الشكسبيريين التقليديين " طالما ربط شخصية هاملت بعقدة " أوُديب " وبرّأ كلوديوس من جريمة تفرضها لغة شكسبير منذ أربعة قرون . والسؤال مفاده هو هل أن هاملت بريئ من جريمة قتل الملك ، وماهي علاقته بأُمه وكيف تكونت طفولته ، ثم ماهي أسباب سلوكه الغامض وإلتجائه إلى مجالات مجازية للتعبير عن آرائه والأشياء التي يريد إيصالها إلى العالم . درس فرويد هذه الأسئلة بعيداً عن مفهوم " من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها " وقرّبها من مفهوم عقدة أُوديب ، يعني أن هاملت كما هي الحال في شخصية " أوُديب ملكاً " يعاني من عقدة التماهي مع صورة الأب وعلاقته بالأُم . فليس من المستبعد أنه هو الذي قتل أباه الملك من أجل إمتلاك صورة الأُم وإخراجها من تحت سيطرة غريمه .
يعتمد فرويد في هذا التحليل على ميل هاملت إلى نشاط لغوي غير سوي مع الهدف الذي يريد الوصول إليه، ثم تركيبته النفسية التي تنغلق أمام تعابير واضحة وتعاني من عذاب داخلي ، فهي بالتالي تركيبة معقدة تتمزق بين رغبة قتل العم وإستعادة صورة الطفولة المتماهية مع الأب وإمتلاكه للأُم، فنراه مع أُوفيليا مثلاً وهو يرميها من خلال لغة غامضة إلى الدير دون إعطاء أنوثتها ولو بشكل حلمي المكانة الإيروسية ، بالمقابل يريد الإبقاء على الأُم تلك المرأة التي وهبته عناصر الرغبة الأُولى وهو لا يحاول الإنتقام منها بقدر ما يحاول الإنتقام من عمه " كلودويوس" وحتى كأس السم الذي اجترعته غيرترويد كان قد وضع أساساً له. وهناك نشاط آخر عنده يساعد منهج التحليل النفسي للوصول إليه وهو النشاط الحلمي المواز لنشاط اللغة المغرق في الكآبة والسوداوية .
هناك شيئ آخر يجب الإشارة إليه وهو مشهد " البانتوميم" الذي أعده هاملت بنفس السوية الأسلوبية التي قُتل فيها الملك الأب وقدمه أمام كلوديوس والملكة وكلّف صديقه "هوراسيو" بمراقبة سلوك الملك وملامحه أثناء العرض المسرحي لكشف الجريمة . يدخل هذا المشهد ضمن محاولات هاملت للتقليل من حزنه وتبرئة الذات من عاقبة أُوديبية وهو إعلان أيضاًً عن وجود مجرم مجهول الهوية ، لأن التفاصيل التي قدمها هاملت في العرض البانتوميمي كما يؤكد " بيير باييار " هي نفس تفاصيل مشهد قتل الأب .
ويشير " باييار " إلى تحليلات أُخرى في نقد وتحليل نص هاملت تدخل أكثرها الإتجاه ذاته الذي أعلنه فرويد حوله مثل تحليلات لاكان وج .م روبيرتسن وجان آلوش وأرنست جونس وتؤكد هذه التحليلات بأن وراء هلوسة هاملت شيئ غامض وأدى إلى تغييب الأب عن النص .
نلاحظ في الوقت ذاته بأن الشيئ الغامض هذا أدى إلى إبراز الأم غيرترويد وفرض حضورهاعلى المساحة الأوسع في النص ، ولا يبعدنا هذا التحليل لتزامن أكثر من حدث في الجريمة الأكبر في تاريخ الأدب والمسرح عن تصديق الفرضية النقدية التي يقدمها هنا " باييار" مستلهماً من تراث فرويد ولاكان في التحليل النفسي لهذه الشخصية . وبهذا وضع باييار " حوار الطرشان " حول هاملت منذ أربعة قرون في سياق حوار جديّ يليق بالإنقلاب الذي أحدثه التحليل النفسي في النقد الأدبي والفني . ولا يتسنى لنا أخيراً الاّ إعادة ما قاله الكاتب في نهاية الكتاب ( بعيداً عن كل ما أستطاع تصوره فرويد ، فإنه كان محقاً ) .
منتظراً استفساراتكم وأسئلتكم ان شئتم ..
(1601) وقدمت للمرةالأُولى عام (1603) دون التوصل إلى نقطة تدل على تحديد الملامح الأساسية لهذه الشخصية التي تُموه القارئ داخل ألغازه وباطنيته .
قد لا نحتاج هنا إلى تفسيرات مكرّسةفي شرح قصة المسرحية وتاريخها بقدر احتياجنا للتفسيرات الأُخرى التي ترى في هاملت " لغزاً " تمخض عنه طوال هذه القرون التجاهل تجاه هوية قاتل هاملت الأب .
في هذه الحال وكما هو شائع في البحث عن أسباب هذه الجريمة التي تشغل الأدب والمسرح العالميين حتى الوقت الراهن هو أن زوجة الملك " غيرترويد " وأخيه " كلوديوس" استغلا وجود هاملت الإبن في الدنمارك وسمماه من أجل السيطرة على المملكة . وتقتضي أسباب الجريمة ذاتها ظهور طيف الملك لهوراسيو كي يخبر صديقه هاملت و تتضح حقيقة الغدر بأبيه . فمنذ أربعة قرون تسيطر هذه " المطلقية " على رؤية أسباب القتل والثأر والبحث عن الغريزة والسلطة في آن واحد على مجمل " الشكسبيريين التقليديين" في عالم المسرح والنقد دون النظر إلى ماوراء الكلمات والأفكار التي تضمن هوية القاتل الحقيقية.
وهذه المطلقية نفسها دفعت هاملت إلى تأسيس حالة فتنة أُخرى غير فتنة القتل واستبعاد أصابع الإتهام عن دائرة علاقاته التي تتمثل بالغموض والإختباء وراء حالة تأمل سوداوية تفرض فرضيات الوجود واللاوجود على كيفية العلاقات في المسرحية التي تتركز بالدرجة الأُولى على قتل الملك ومجيئ الأخ " كلوديوس " ملكاً وزوجاً للملكة . وهناك دائرة أُخرى مرتبطة بهذه العلاقات ولها صلة وثيقة بشخصية هاملت أو هي عقدته بالأحرى وهي " أُوفيليا " التي تكشف لاوعي هاملت من خلال دفن عذريتها في عالم الجنون . فمشكلة هذه الشخصية المفتوحة لكل اتجاهات الشكّ واليقين معاً لا تتبدى في جملته التي أصبحت هويته ( أكون أو لا أكون تلك هي المشكلة ) بل بإختبائها فيها وعدم تمكنها بالخروج منها وتسمية الأشياء ( مشكلة لا أستطيع تسميتها ) تعطينا هذه الجملة التي تظهر فيها صورة هاملت الحقيقية وتُبطل قدرته على التظاهر بأخذ الثأر و
" القدرة الإروتيكية " ضمنياً .
تسود أجواء المسرحية بدءً من ظهور طيف الملك وإعلان حقيقة موته الكآبة وطقس دموي مستمر تختبيئ فيه جميع الشخصيات وكأن غريزة ثاناتوس " الموت" أصبحت إعلاناً مطلقاً للأشياء في تخوم جغرافيا الموت إبتداءً من هاملت الأب وإنتهاءً بهاملت الإبن ، وماتت بينهما الأًم غيرترويد و كلوديوس وبولونيوس ولايرتس وأوُفيليا.
ذهب الكثير من النقاد والمحللين للنص بأن الصراع الرئيسي في هذه الأجواء الدموية هو الصراع على السلطة وأعتمد الكثير من الكتاب المسرحيين في إعادة إنتاج النص على أساس هذه الفكرة التي تتهم بولونيوس دون الخوض في تفاصيل الجريمة وماوراءها لأنها تُسّهل وتختصر طريق الوصول إلى العقدة وإنهاء شكّ الجميع بموت الجميع .
قبل هذا الطقس الدموي وضمن مشهد كان من المفترض أن تتكون عناصره من الحب ومستقبل إيروتيكي يطلب هاملت من أوُفيليا ترك الحياة والذهاب إلى الدير ثم يعلن في مونولوج طويل هويته التي هي عدم القدرة على تسمية الأشياء وتحديد كونه وجوداً . يظهر هنا جانبان مهمان في هذه الشخصية وهما :
- قلق وجودي ، تتكامل عناصره من التفوق والدونية والتي تقوده في نهاية الأمر إلى الإنكسار.
- الخوف من المرأة وعددم الثقة بها.
زد على ذلك إبراز الجانب الطفولي عنده كلما رأى نفسه أمام المرأة مع غموض مُكوّن من عدم الإفصاح عما يفكر فيه ، ويمتزج النشاط اللغوي والنفسي والحلمي عنده في هذه الحال لا كفعل إدائي للحالة الظرفية بل كمرجع يتكون منه الخطاب .
من هنا يعيد الناقد الفرنسي " بيير باييار" في كتاب صدر عن دار (Les Éditions de minuit) بعنوان
(لبحث عن هاملت) سؤال " فرويد " إلى الواجهة في النقد والتحليل وهو السؤال الذي يزعج
" الشكسبيريين التقليديين " طالما ربط شخصية هاملت بعقدة " أوُديب " وبرّأ كلوديوس من جريمة تفرضها لغة شكسبير منذ أربعة قرون . والسؤال مفاده هو هل أن هاملت بريئ من جريمة قتل الملك ، وماهي علاقته بأُمه وكيف تكونت طفولته ، ثم ماهي أسباب سلوكه الغامض وإلتجائه إلى مجالات مجازية للتعبير عن آرائه والأشياء التي يريد إيصالها إلى العالم . درس فرويد هذه الأسئلة بعيداً عن مفهوم " من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها " وقرّبها من مفهوم عقدة أُوديب ، يعني أن هاملت كما هي الحال في شخصية " أوُديب ملكاً " يعاني من عقدة التماهي مع صورة الأب وعلاقته بالأُم . فليس من المستبعد أنه هو الذي قتل أباه الملك من أجل إمتلاك صورة الأُم وإخراجها من تحت سيطرة غريمه .
يعتمد فرويد في هذا التحليل على ميل هاملت إلى نشاط لغوي غير سوي مع الهدف الذي يريد الوصول إليه، ثم تركيبته النفسية التي تنغلق أمام تعابير واضحة وتعاني من عذاب داخلي ، فهي بالتالي تركيبة معقدة تتمزق بين رغبة قتل العم وإستعادة صورة الطفولة المتماهية مع الأب وإمتلاكه للأُم، فنراه مع أُوفيليا مثلاً وهو يرميها من خلال لغة غامضة إلى الدير دون إعطاء أنوثتها ولو بشكل حلمي المكانة الإيروسية ، بالمقابل يريد الإبقاء على الأُم تلك المرأة التي وهبته عناصر الرغبة الأُولى وهو لا يحاول الإنتقام منها بقدر ما يحاول الإنتقام من عمه " كلودويوس" وحتى كأس السم الذي اجترعته غيرترويد كان قد وضع أساساً له. وهناك نشاط آخر عنده يساعد منهج التحليل النفسي للوصول إليه وهو النشاط الحلمي المواز لنشاط اللغة المغرق في الكآبة والسوداوية .
هناك شيئ آخر يجب الإشارة إليه وهو مشهد " البانتوميم" الذي أعده هاملت بنفس السوية الأسلوبية التي قُتل فيها الملك الأب وقدمه أمام كلوديوس والملكة وكلّف صديقه "هوراسيو" بمراقبة سلوك الملك وملامحه أثناء العرض المسرحي لكشف الجريمة . يدخل هذا المشهد ضمن محاولات هاملت للتقليل من حزنه وتبرئة الذات من عاقبة أُوديبية وهو إعلان أيضاًً عن وجود مجرم مجهول الهوية ، لأن التفاصيل التي قدمها هاملت في العرض البانتوميمي كما يؤكد " بيير باييار " هي نفس تفاصيل مشهد قتل الأب .
ويشير " باييار " إلى تحليلات أُخرى في نقد وتحليل نص هاملت تدخل أكثرها الإتجاه ذاته الذي أعلنه فرويد حوله مثل تحليلات لاكان وج .م روبيرتسن وجان آلوش وأرنست جونس وتؤكد هذه التحليلات بأن وراء هلوسة هاملت شيئ غامض وأدى إلى تغييب الأب عن النص .
نلاحظ في الوقت ذاته بأن الشيئ الغامض هذا أدى إلى إبراز الأم غيرترويد وفرض حضورهاعلى المساحة الأوسع في النص ، ولا يبعدنا هذا التحليل لتزامن أكثر من حدث في الجريمة الأكبر في تاريخ الأدب والمسرح عن تصديق الفرضية النقدية التي يقدمها هنا " باييار" مستلهماً من تراث فرويد ولاكان في التحليل النفسي لهذه الشخصية . وبهذا وضع باييار " حوار الطرشان " حول هاملت منذ أربعة قرون في سياق حوار جديّ يليق بالإنقلاب الذي أحدثه التحليل النفسي في النقد الأدبي والفني . ولا يتسنى لنا أخيراً الاّ إعادة ما قاله الكاتب في نهاية الكتاب ( بعيداً عن كل ما أستطاع تصوره فرويد ، فإنه كان محقاً ) .
منتظراً استفساراتكم وأسئلتكم ان شئتم ..